تلعب المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي، وتبرز منصة «فيسبوك» في الساحة السورية كأداة رئيسية تؤجج حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ولا يقف دور هذه المنصات عند حد نقل الآراء، بل تتجاوزه عبر هندسة الخوارزميات التي تمنح الأولوية للمحتوى الأكثر إثارة للتطرف والصدام، مما يخلق واقعاً افتراضياً مغايراً لحقيقة التوازنات المجتمعية على الأرض.
الخوارزميات في مواجهة الاعتدال: صناعة المشهد الحاد
تعتمد خوارزميات شبكات التواصل الاجتماعي على معدلات التفاعل المرتفعة لزيادة انتشار المنشورات، وغالباً ما تكون الخطابات المتطرفة والصدامية هي الأكثر جذباً للتعليقات والمشاركات الحادة. هذا النمط البرمجي يفرض هيمنة واضحة للرؤى المتطرفة، بينما تتعرض الأصوات المعتدلة والوسطية للتهميش التدريجي نتيجة لقلة التفاعل العاطفي الذي تحظى به مقارنة بالخطابات الهجومية.
- آلية التفضيل الرقمي: منح الأولوية للمحتوى الذي يولد غضباً أو حماساً زائداً لتعزيز مدة بقاء المستخدمين على المنصة.
- تراجع المساحات المشتركة: انحسار الحوارات العقلانية لصالح الشعارات القطعية التي لا تقبل الحلول الوسط.
كيف تبدو الصورة المضللة عن الانقسام الشعبي؟
يؤدي هذا الانحياز الخوارزمي إلى توفير بيئة مثالية لنمو خطابات متقابلة ومتضادة تتقاطع في حدتها وتتنافس في إقصاء الآخر. وتعمل هذه الظاهرة على إيحاء بصري ونفسي للمتلقي بأن الشارع السوري يعيش انقساماً حاداً وجذرياً، مصنفاً في كتلتين ضخمتين ومتصارعتين، ما يخلق انطباعاً خادعاً بغياب أي مساحة للرأي المعتدل أو التيار العاقل الذي يرفض هذا الاستقطاب الثنائي.
تداعيات المشهد الرقمي على الوعي الجمعي
تتجاوز خطورة هذا الاستقطاب المصنوع إطاره الرقمي لتلقي بظلالها على الواقع النفسي والاجتماعي للأفراد. فعندما يعتقد المواطن أن المجتمع منقسم تماماً إلى خيارين لا ثالث لهما، يجد نفسه مدفوعاً إما نحو الانخراط في أحد التيارين الحادين أو التزام الصمت خوفاً من التهميش. هذا التوجيه المنهجي عبر الخوارزميات يفرض تحديات حقيقية أمام بناء السلم الأهلي واستعادة لغة الحوار الموضوعي بعيداً عن صخب الشبكات الاجتماعية.
أسئلة شائعة
- كيف تؤثر خوارزميات فيسبوك على طبيعة النقاشات السورية؟ تمنح الأولوية للمحتوى المتطرف والصدامي لزيادة التفاعل، مما يهمش الآراء المعتدلة.
- هل يعكس الانقسام الظاهر على فيسبوك حقيقة المجتمع السوري؟ لا، الصورة الرقمية تبالغ في تصوير المجتمع ككتلتين متقابلتين، وتخفي المساحات الواسعة من الاعتدال.
المصدر: الجمهوريّة (بموجب ترخيص المشاع الإبداعي CC BY).