في تطور ميداني نوعي يعكس تصعيداً غير مسبوق في قواعد الاشتباك على الجبهة الجنوبية للبنان، أعلن الجيش الإسرائيلي، الخميس، عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت شبكة أنفاق وبنية تحتية استراتيجية تابعة لحزب الله في مرتفعات «علي الطاهر» الحيوية. وقد استخدمت القوات الإسرائيلية في هذه العملية الهندسية المدمرة نحو 1100 طن من المتفجرات، وهو رقم قياسي يعكس حجم التعقيد الهندسي والعسكري للتحصينات المستهدفة، ما أدى إلى إحداث هزة أرضية عنيفة شعر بها سكان المنطقة وسجلتها مراصد الزلازل الدولية.
مرتفعات علي الطاهر.. الأهمية الاستراتيجية والعسكرية للتحصينات
تعتبر مرتفعات «علي الطاهر» واحدة من أبرز المعالم الجغرافية والعسكرية الحاكمة في جنوب لبنان؛ نظراً لإشرافها المباشر على قطاعات واسعة من الحدود والقرى المحيطة، وتوفر عمقاً جغرافياً استراتيجياً لأنشطة المقاومة. طالما شكلت هذه المرتفعات والأنفاق الممتدة في جوفها عقبة كبرى أمام العمليات البرية الإسرائيلية، نظراً لقدرتها على توفير ملاذات آمنة، ومخازن استراتيجية للعتاد والصواريخ، فضلاً عن كونها محاور حركة سرية لمقاتلي حزب الله بعيداً عن رصد الطائرات المسيرة وأقمار الاستطلاع. إن تدمير هذه الشبكة عبر تفجير تكتيكي ضخم يعكس رغبة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية في إلغاء المزايا التكتيكية التي تمنحها الطبيعة الجبلية والأنفاق للمقاومة، في محاولة لإعادة هندسة المشهد الأمني والعسكري على طول الحدود الشمالية.
زلزال بقوة 4.1 درجات.. التداعيات الجيولوجية والبيئية للانفجار
لم تقتصر تداعيات العملية العسكرية على الأبعاد الاستراتيجية الميدانية فحسب، بل امتدت لتخلف آثاراً جيولوجية وبيئية ملحوظة. فقد رصدت هيئات الرصد الزلزالي الدولية، ومن بينها المركز الأمريكي للمسح الجيولوجي، هزة أرضية بلغت قوتها 4.1 درجات على مقياس ريختر، نتيجة تفجير 1100 طن من المواد المتفجرة دفعة واحدة في باطن الأرض. وقد أثار هذا الزلزال الاصطناعي حالة من الهلع والفزع الواسع بين السكان المدنيين في القرى والبلدات المجاورة للجنوب اللبناني وشمال إسرائيل على حد سواء، حيث اعتقد الأهالي في اللحظات الأولى أن زلزالاً طبيعياً مدمراً قد ضرب المنطقة. إلى جانب ذلك، حذر خبراء البيئة من التداعيات كارثية المحتملة لمثل هذه الانفجارات الهائلة على الطبقات الصخرية والخصائص الجيولوجية للمنطقة، فضلاً عن تلويث المياه الجوفية وإحداث أضرار بالغة بالبنية التحتية المدنية والقرى المحيطة نتيجة الاهتزازات العنيفة المتكررة.
خلفية التصعيد وتحولات قواعد الاشتباك العسكرية
تندرج هذه العملية ضمن سياق أوسع من التصعيد المتواصل والمحتدم على الجبهة اللبنانية، والتي تشهد مواجهات يومية ومتبادلة منذ اندلاع الحرب في غزة. وقد عمدت إسرائيل خلال الأشهر الأخيرة إلى تبني استراتيجية «الأرض المحروقة» وتكثيف الضربات الاستباقية والهندسية لتدمير شبكات الأنفاق التي وصفتها مراراً بأنها تهديد وجودي لمستوطنات الشمال، بهدف تهيئة الظروف الأمنية لعودة السكان النازحين. في المقابل، يواصل حزب الله استخدام شبكات الأنفاق والقدرات الصاروخية المتطورة لفرض معادلات ردع تمنع الجيش الإسرائيلي من تحقيق أهدافه الاستراتيجية، مما يبقي الجبهة مفتوحة على كافة الاحتمالات وينذر بانزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة ومدمرة قد تأكل الأخضر واليابس.
تداعيات إنسانية ومخاوف دولية من اتساع رقعة النزاع
تتزامن هذه التطورات الميدانية مع قلق دولي وأممي متصاعد حيال تفاقم الأوضاع الإنسانية والأمنية في جنوب لبنان. فقد أسفرت عمليات القصف المستمرة والعمليات الهندسية الواسعة عن نزوح آلاف العائلات من القرى الحدودية نحو مناطق أكثر أماناً، وسط ضغوط هائلة تثقل كاهل البنية التحتية اللبنانية المتداعية أصلاً جراء الأزمات الاقتصادية المتعاقبة. وتدعو الأطراف الدبلوماسية الدولية مراراً إلى ضرورة ضبط النفس وتفعيل القرارات الأممية ذات الصلة، محذرة من أن أي سوء تقدير في هذه المرحلة الحرجة قد يقود المنطقة بأسرها إلى حرب إقليمية مفتوحة يصعب السيطرة على تداعياتها الخطيرة.
سيناريوهات المستقبل والدروس المستفادة
استشرافاً للمستقبل، يرى الخبراء العسكريون أن تدمير أنفاق علي الطاهر يمثل ضربة قاسية للبنية التحتية التكتيكية لحزب الله، لكنه في الوقت ذاته لن ينهي قدرة المقاومة على التكيف وإعادة بناء شبكات بديلة نظراً لطبيعة التضاريس الجبلية المعقدة والدعم اللوجستي المستمر. إن استمرار هذا النهج العسكري الإسرائيلي القائم على التدمير المفرط ينذر بتحويل جنوب لبنان إلى منطقة غير قابلة للحياة، مما يفرض على المجتمع الدولي ضغوطاً مضاعفة للبحث عن تسوية سياسية مستدامة تمنع الانفجار الكبير وتعيد الاستقرار المفقود إلى الحدود اللبنانية الإسرائيلية.