الرئيسية اقتصاد اقتصاد وأعمال مجموعة بريكس بوتين: بنك بريكس يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

بوتين: بنك بريكس يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

12 سبتمبر 2026
01:01 ص
بوتين: بنك بريكس يعيد رسم خريطة الاقتصاد العالمي

في تصريحات حملت دلالات اقتصادية وجيوسياسية بعيدة المدى، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الدور المحوري الذي بات يلعبه بنك التنمية الجديد (NDB) التابع لمجموعة بريكس في دفع عجلة النمو الاقتصادي داخل دول المجموعة، مؤكداً أن المؤسسة المالية تشهد مرحلة من التوسع المتسارع في أنشطتها وبرامجها التمويلية. وتأتي هذه التصريحات في توقيت بالغ الحساسية، إذ تسعى دول التكتل بخطى متصاعدة إلى تعزيز استقلاليتها المالية وتقليص اعتمادها على المؤسسات التقليدية التي هيمنت على المشهد النقدي العالمي منذ عقود.

ولا تبدو هذه التصريحات مجرد موقف دبلوماسي عابر، بل هي تعبير عن تحول هيكلي أعمق في بنية النظام المالي الدولي، ومسار متدرج نحو ما يوصف بـ«عالم متعدد الأقطاب» لا تبقى فيه أدوات التمويل والتحكيم النقدي حكراً على واشنطن وبروكسل ومؤسساتهما المالية.

السياق والخلفية: طموحات الاستقلال المالي

تأسس بنك التنمية الجديد (NDB) من قبل دول بريكس الخمس المؤسسة — البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا — كبديل عملي ومؤسسي للمؤسسات المالية الدولية التقليدية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وجاء هذا التأسيس تتويجاً لسنوات من الإحباط المتراكم لدى اقتصادات ناشئة رأت في «شروط واشنطن» قيوداً على سيادتها الاقتصادية، وثمناً باهظاً تدفعه مقابل كل قرض أو برنامج إنقاذ.

يهدف البنك بشكل أساسي إلى تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء والاقتصادات الناشئة، مع التركيز المتزايد على استخدام العملات المحلية في المعاملات البينية لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي. وتتخذ المؤسسة من مدينة شنغهاي مقراً رئيسياً لها، مع مكاتب إقليمية موزعة على عدد من الدول الأعضاء، في خطوة تحمل في طياتها رسالة رمزية واضحة عن مركز الثقل الاقتصادي الجديد.

وقد راكم البنك خلال سنوات عمله محفظة تمويلية تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات، موزعة على مشروعات في قطاعات حيوية، مع حرص متزايد على أن تكون نسبة معتبرة من هذه التمويلات مقومة بعملات محلية بدلاً من الدولار، وهو ما يمثل جوهر التحول الذي يشير إليه الرئيس الروسي في تصريحاته.

التفاصيل والتداعيات: أربعة محاور كبرى

  • تعزيز السيولة المالية: يعمل البنك على توفير بدائل تمويلية مرنة تتماشى مع احتياجات الدول النامية والناشئة، بعيداً عن الشروط القاسية والجدول الزمني البطيء الذي يميز المؤسسات التقليدية.
  • توسيع نطاق العضوية: شهد البنك انضمام دول جديدة إلى عضويته، من بينها بنغلاديش والإمارات ومصر وأوروغواي والجزائر، مما يعزز من قدرته على التأثير في الأسواق العالمية ويوسع قاعدته الجغرافية خارج نطاق المؤسسين الخمسة.
  • دعم المشاريع الاستراتيجية: يركز البنك على تمويل قطاعات الطاقة المتجددة والنقل والمياه والبنية التحتية الرقمية، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ويربط بين الأجندة التنموية والأجندة الجيوسياسية.
  • التحول نحو العملات المحلية: يمثل البنك أداة ضغط متدرجة لتقليل الهيمنة النقدية الغربية، وهو ما يراه مراقبون خطوة عملية نحو «عالم متعدد الأقطاب» وترجمة مالية لشعارات التكتل السياسية.

بنك التنمية الجديد في مواجهة «بريتون وودز»

منذ أن أرست اتفاقية بريتون وودز دعائم النظام النقدي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ظل الدولار الأمريكي حجر الزاوية في التجارة العالمية واحتياطيات البنوك المركزية، وظلت المؤسسات المالية الدولية المنبثقة عن تلك الاتفاقية هي الجهة التي تحدد من يحصل على التمويل وبأي شروط. وما يمثله بنك التنمية الجديد اليوم هو محاولة جادة لإعادة توزيع هذا النفوذ، لا عبر مواجهة مباشرة، بل عبر بناء بنية موازية تعمل بالتوازي مع النظام القائم وتستنزف تدريجياً احتكاره للقرار التمويلي.

ويزداد هذا التوجه وضوحاً في ظل العقوبات الغربية غير المسبوقة التي فُرضت على روسيا بعد عام 2022، والتي شملت تجميد جزء من احتياطياتها الدولارية واستبعاد بنوكها من منظومة سويفت. وقد شكلت هذه الإجراءات صدمة تحفيزية لبقية دول التكتل، التي أدركت أن الاحتياطيات المقومة بالدولار قد تتحول من أصل استراتيجي إلى ورقة ضغط في يد خصومها.

التحديات والعقبات أمام طموحات التكتل

ورغم الزخم المتصاعد، يواجه بنك التنمية الجديد جملة من التحديات البنيوية التي لا يمكن تجاهلها:

  • حجم رأس المال: لا يزال رأس مال البنك متواضعاً مقارنة بقدرات البنك الدولي أو مؤسسات التمويل الغربية الكبرى، مما يحد من سقف طموحاته التوسعية.
  • تفاوت المصالح: تختلف أولويات الدول الأعضاء الاقتصادية والسياسية، وهو ما قد يُبطئ التوافق حول المشروعات الكبرى أو حول وتيرة التخلي عن الدولار.
  • التقييم الائتماني: تعتمد قدرة البنك على الاقتراض من الأسواق العالمية على تصنيفه الائتماني، وهو أمر يتأثر بالتوترات الجيوسياسية المحيطة بدوله المؤسسة.
  • البنية التحتية للمدفوعات: بناء منظومة دفع بديلة عن سويفت يتطلب استثمارات تقنية ضخمة وتوافقاً تنظيمياً معقداً بين البنوك المركزية.

ماذا يعني ذلك للقارئ والمستثمر؟

بالنسبة للقارئ والمستثمر، يشير هذا التوجه إلى تحول هيكلي في النظام المالي العالمي. إن توسع بنك بريكس يعني توفر خيارات تمويلية جديدة للدول التي كانت تعاني من شروط المؤسسات الدولية التقليدية، مما قد يؤدي إلى استقرار أكبر في الاقتصادات الناشئة على المدى الطويل، ولكنه يضع في الوقت ذاته تحديات أمام هيمنة النظام المالي القائم منذ اتفاقية بريتون وودز.

وعلى المستوى العملي، يعني ذلك أن المستثمر العربي أو الناشئ قد يجد أمامه خلال السنوات المقبلة أدوات تمويل متنوعة، وعملات محلية أكثر استخداماً في التسويات التجارية، وأسواقاً مالية إقليمية تنشط بفعل تدفقات لا تمر بالضرورة عبر نيويورك أو لندن. لكن هذا التحول لن يكون سريعاً ولا خالياً من التقلبات، إذ سيظل الدولار محتفظاً بثقله في التجارة العالمية والاحتياطيات لفترة طويلة قادمة.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار بنك التنمية الجديد خلال العقد القادم. السيناريو الأول هو التوسع المتدرج، حيث يواصل البنك استقطاب أعضاء جدد وتوسيع محفظته التمويلية دون مواجهة مباشرة مع النظام القائم، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب. والسيناريو الثاني هو التسارع النوعي، أي الانتقال من التمويل التنموي إلى بناء منظومة تسوية مالية موازية بالكامل، وهو سيناريو يتطلب إرادة سياسية جماعية وتقدماً تقنياً كبيراً. أما السيناريو الثالث فهو التباطؤ، في حال تفاقم الخلافات الداخلية بين الدول الأعضاء أو تصاعد الضغوط الخارجية على الاقتصادات المنضمة حديثاً.

وفي كل الأحوال، فإن ما يجري اليوم لا يمكن قراءته بمعزل عن التنافس العالمي الأوسع على قواعد اللعبة الاقتصادية، حيث لم تعد القوة تُقاس بحجم الجيوش فقط، بل بقدرة الدولة على التحكم في شبكات المدفوعات وسلاسل التمويل والمعايير النقدية التي تديرها.

خلاصة استشرافية

تصريحات الرئيس الروسي حول الدور الاستراتيجي لبنك التنمية الجديد ليست مجرد إعلان سياسي، بل هي مؤشر على أن النظام المالي العالمي يدخل مرحلة انتقالية طويلة ومعقدة، تتشابك فيها المصالح التنموية بالحسابات الجيوسياسية. وإذا كان من المبكر الحديث عن «نهاية الدولار» أو انهيار النظام المالي القائم، فإن الحديث عن «عالم متعدد الأقطاب» بات يمتلك اليوم أساساً مؤسسياً ملموساً، يتمثل في بنك يعمل، ويقرض، ويوسع عضويته، ويقوم تدريجياً بترجمة الشعارات السياسية إلى معاملات مالية حقيقية. والسؤال الأهم لم يعد: هل سيتغير النظام المالي العالمي؟ بل: بأي وتيرة، وبأي ثمن، ومن سيدفع هذا الثمن أولاً؟

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات