تشهد الساحة السياسية والميدانية في الجمهورية اليمنية حالة غير مسبوقة من التوتر والترقب، حيث تتزايد التكهنات حول احتمالية انزلاق الأوضاع نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق. يأتي هذا التصعيد في ظل تعثر مسارات التهدئة واستمرار التوتر في عدة جبهات حيوية، وهو ما يضع جهود السلام الدولية والإقليمية أمام اختبار حقيقي وقاسٍ يهدد بتقويض كافة المكاسب الهشة التي تحققت خلال الفترات الماضية. إن حالة "اللاحرب واللاسلم" التي عاشتها البلاد على مدار السنوات الأخيرة باتت اليوم على المحك، مما يفرض واقعاً جديداً قد يعيد رسم الخريطة العسكرية والإنسانية في اليمن برمتها، وسط مخاوف جدية من انهيار تام لمنظومة الاستقرار المحدودة.
السياق التاريخي والجغرافي لتجدد الأزمات في الجبهات المشتعلة
لا يمكن قراءة التطورات الراهنة بمعزل عن جذور الأزمة اليمنية الممتدة والتي دخلت عقدها الثاني محمولةً بأعباء ثقيلة ومعقدة. تتوزع خطوط التماس الحيوية في اليمن على خريطة جغرافية واسعة تتضمن محافظات استراتيجية تشهد بين الحين والآخر خروقات متقطعة للهدنة الإنسانية والعسكرية التي أعلنتها الأمم المتحدة في ربيع عام 2022. ورغم صمود الهدنة نسبياً في كبح جماح العمليات الهجومية الكبرى، إلا أن المناوشات الميدانية وحرب الاستنزاف لم تتوقف يوماً واحداً. تعود الأسباب الجوهرية لهذا التوتر المستمر إلى غياب توافق وطني جامع حول القضايا الجوهرية، وتضارب الأجندات الإقليمية والدولية، فضلاً عن تعثر المفاوضات السياسية الشاملة التي ترعاها الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن، إلى جانب الوساطات الإقليمية الحثيثة التي تقودها سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية للوصول إلى تسوية دائمة تنهي الحرب.
تفكيك المشهد الميداني وظروف الهدنة المتعثرة في اليمن
تُظهر القراءات الميدانية أن جبهات الفاعلية العسكرية لا تزال تحتفظ بقابليتها للاشتعال في أي لحظة. إن التراجع المستمر في فرص الحلول الدبلوماسية المؤقتة يعود أساساً إلى غياب ضمانات حقيقية وموثوقة لتثبيت وقف إطلاق النار وتحويله إلى مسار سياسي مستدام. وخلال الأسابيع الأخيرة، شهدت خطوط التماس في محافظات مأرب، تعز، الحديدة، والضالع تحركات عسكرية ملحوظة وتعزيزات بشرية ومادية، مما يعكس استعداد الأطراف المختلفة لسيناريوهات الأسوأ. وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد الشكوك حول قدرة المبادرات الدولية على كبح جماح التصعيد، خصوصاً مع تبادل الاتهامات بين الأطراف المحلية بشأن المسؤولية عن خرق الهدنة وتقويض مساعي بناء الثقة، كملف فتح الطرقات، وتبادل المحتجزين، وتوحيد الملف الاقتصادي والمصرفي الذي يشكل عصب الأزمة المعيشية.
التداعيات الاقتصادية والإنسانية القاسية على المواطن اليمني
تلقي حالة التوتر العسكري المرتقب بظلالها الثقيلة والمدمرة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية للملايين من المواطنين اليمنيين الذين يعانون أصلاً من أسوأ أزمة إنسانية في العصر الحديث وفق تقارير الأمم المتحدة. إن استمرار التلويح بالحرب يساهم بشكل مباشر في انهيار قيمة العملة المحلية، وارتفاع جنوني في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية، وتراجع القدرة الشرائية للأسر التي باتت تعتمد بشكل شبه كلي على المساعدات الإنسانية الدولية التي تشهد بدورها تقلصاً ملحوظاً بسبب تراجع تمويل الجهات المانحة. كما أن استمرار التهديد العسكري يعيق أي خطط تنموية لإعادة الإعمار أو جذب الاستثمارات، ويبقي قطاعات حيوية مثل الصحة، التعليم، والبنية التحتية رهينة لحالة عدم اليقين المستمرة، مما ينذر بكارثة إنسانية مضاعفة إذا ما عادت عجلة الحرب الشاملة للدوران.
ردود الفعل الإقليمية والدولية ومخاوف انهيار منظومة الاستقرار
تخيم حالة من القلق البالغ على الدوائر الدبلوماسية الإقليمية والدولية إزاء مؤشرات التصعيد العسكري في اليمن. فقد أصدرت عدة عواصم غربية وعربية بيانات تحذر فيها من خطورة العودة إلى المربع الأول، مؤكدة أن الحل العسكري يظل خياراً مدمراً لن يغلب فيه طرف على آخر، وأن الحوار السياسي الشامل هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار المستدام. ومن جهتها، تواصل البعثات الأممية والدبلوماسية ضغوطها على الأطراف اليمنية المختلفة لضبط النفس، وتغليب المصلحة الوطنية، والعودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة تعرقل المسار الإنساني. ورغم هذه الجهود الحثيثة، إلا أن غياب الإرادة السياسية الصلبة لدى بعض الأطراف الفاعلة يجعل شبح الحرب المفتوحة قائماً بقوة، مما يستدعي مراقبة دقيقة ومستمِّرة من المجتمع الدولي.
- استمرار حالة اللاحرب واللاسلم التي تلقي بظلالها الثقيلة على الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمواطنين في كافة المحافظات.
- تراجع الآمال المرتبطة بالحلول الدبلوماسية المؤقتة مع غياب ضمانات حقيقية لتثبيت وقف إطلاق النار الشامل.
- حالة ترقب إقليمي ودولي واسعة تحذر من أي انهيار محتمل لمنظومة التهدئة القائمة وعودة العمليات العسكرية الواسعة.
- تنامي المخاوف من تعثر ملفات إنسانية حرجة كملف الأسرى والمعتقلين وصرف المرتبات وفتح المعابر والطرقات المغلقة.
- تصاعد الضغوط الاقتصادية وانهيار البنى التحتية نتيجة استمرار حالة الاستقطاب السياسي والعسكري الحاد.
ماذا يعني تجدد التصعيد العسكري؟ قراءة استشرافية لمستقبل اليمن
تعكس المؤشرات السلبية الحالية مزيداً من الضغوط البالغة على مسار الاستقرار المفقود في اليمن، وتُنذر بتفاقم غير مسبوق للأزمات الإنسانية التي يعاني منها الملايين من السكان. إن عودة الحرب الشاملة -لا قدر الله- لن تكون سوى كارثة جديدة تضاعف من مآسي الشعب اليمني وتغرق المنطقة في مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار، نظراً للموقع الجغرافي الحساس الذي تحتله اليمن وإشرافها على خطوط الملاحة الدولية الاستراتيجية في باب المندب والبحر الأحمر. بناءً على ذلك، فإن الموقف الراهن يستدعي تحركاً دولياً وأممياً عاجلاً وحاسماً لاحتواء الأزمة قبل خروجها التام عن السيطرة، وتفعيل أدوات الضغط الفعالة لدفع جميع الأطراف نحو التهدئة المستدامة واستئناف العملية السياسية ضمن إطار وطني جامع يلبي تطلعات الشعب اليمني في السلام والتنمية والعيش الكريم.