تشهد الخريطة السياسية والعسكرية في اليمن، لا سيما في مسرح العمليات الاستراتيجي للساحل الغربي، منعطفاً حاسماً وحساساً للغاية إثر التطورات الميدانية الأخيرة التي شهدتها مدينة المخا ومحيطها. وفي هذا السياق، أفادت مصادر سياسية وعسكرية مطلعة ومتطابقة بوصول عضو مجلس القيادة الرئاسي وقائد قوات المقاومة الوطنية، طارق محمد عبدالله صالح، إلى العاصمة السعودية الرياض في زيارة عاجلة. وتتزامن هذه الخطوة رفيعة المستوى مع تواجد عمار صالح، وكيل جهاز الأمن القومي السابق وقائد قوات توفير الحماية والاستخبارات في الساحل الغربي، والذي يقيم في الرياض منذ فترة لإجراء مشاورات مكثفة مع الجانب السعودي والقيادات الشرعية. تأتي هذه التحركات الدبلوماسية والأمنية والعسكرية المتسارعة لتؤكد أن القيادة المشتركة للساحل الغربي تتعامل بجدية بالغة مع التطورات الأخيرة، وتعمل على صياغة استراتيجية شاملة لإعادة ترتيب الصفوف وتوحيد القرار العسكري والسياسي في مواجهة التحديات المتصاعدة.
خلفية ميدانية: قراءة تحليلية لمعارك المخا وإعادة التموضع التكتيكي
تندرج زيارة طارق صالح وعمار صالح إلى العاصمة السعودية الرياض في أعقاب مواجهات ميدانية عنيفة ومحطمة للتوازنات المحلية، انتهت بتقدم مباغت لجماعة الحوثي وسيطرتها المؤقتة على أجزاء حيوية من مدينة المخا الاستراتيجية، الساحلية المهمة الواقعة على باب المندب. وقد أثار هذا التطور قلقاً بالغاً في الدوائر العسكرية والسياسية اليمنية والإقليمية نظراً لأهمية المخا الجيوسياسية والاقتصادية كمنفذ بحري استراتيجي ومركز إمداد رئيسي. وفي المقابل، سارعت قيادة القوات المشتركة في الساحل الغربي إلى تفنيد طبيعة ما حدث، مؤكدة أن ما جرى لم يكن هزيمة كبرى بقدر ما كان خطوة تكتيكية لإعادة التموضع الاستراتيجي نحو محور ذوباب والمناطق المحصنة حصانة طبيعية. وأوضحت المصادر العسكرية للمقاومة الوطنية أن هذا الانسحاب المدروس هدف حصراً إلى امتصاص الصدمة الأولى، وتفادي الخسائر البشرية في صفوف المدنيين والعسكريين، وتفادي الوقوع في فخ الحصار، تمهيداً لتنفيذ عملية هجومية عكسية لإعادة السيطرة الكاملة على المواقع المفقودة وتأمين خطوط الإمداد الاستراتيجية في عمق الساحل الغربي.
العمليات العسكرية النوعية والدعم الجوي: استراتيجية الردع الشامل
لم تتوقف ردود الفعل عند حدود إعادة التموضع الميداني، بل رافقها تصعيد عسكري واسع ومنظم من قبل التحالف العربي والقوات المشتركة. فقد شهدت الساعات اللاحقة لعملية إعادة التموضع إطلاق عمليات جوية وبرية مكثفة ودقيقة استهدفت تعزيزات وتجمعات ومخازن أسلحة تابعة لجماعة الحوثي في محيط خطوط الإمداد الرابطة بين الحديدة وتعز والساحل. وقد أثبتت هذه الضربات فعاليتها في شل حركة الميليشيات وقطع إمداداتها العسكرية المتواصلة. تأتي هذه العمليات في إطار استراتيجية دفاعية وهجومية متكاملة ومترابطة لا تقتصر على جبهة المخا والساحل الغربي فحسب، بل تمتد لتشمل جبهات مشتعلة أخرى في محافظات تعز ولحج ومأرب والجوف، مما يترجم الرؤية الجديدة لمجلس الدفاع الوطني الذي أكد مراراً وتكراراً أن المواجهة مع المشروع الحوثي هي معركة وطنية شاملة ومصيرية لا تقبل التجزئة ولا تقتصر على جبهة أو مديرية بعينها، بل تتطلب تضافر كافة الجهود وتوحيد البنادق تحت راية الشرعية والتحالف.
الدور السعودي والمشاورات العسكرة والأمنية في الرياض
يحظى التواجد المشترك لطارق صالح وعمار صالح في العاصمة السعودية الرياض بأهمية بالغة وتفسيرات سياسية واسعة النطاق. فالرياض تمثل الثقل السياسي والدبلوماسي والمالي والعسكري الأول للتحالف الداعم للشرعية في اليمن. وتأتي هذه اللقاءات والاجتماعات العاجلة بهدف تقييم الوضع الميداني بكل شفافية وموضوعية، ووضع القيادة السعودية والتحالف في صورة الأوضاع الحقيقية على الأرض في الساحل الغربي. وتشير المعطيات إلى أن المباحثات تركز على عدة محاور رئيسية، أبرزها:
- إعادة هيكلة الدعم اللوجستي والعسكري المقدم لقوات المقاومة الوطنية وتوفير غطاء أمني واستخباراتي متكامل.
- تنسيق الجهود العسكرية المشتركة بين مختلف التشكيلات العسكرية اليمنية (قوات العمالقة، المقاومة الوطنية، قوات محور تعز، والجيش الوطني).
- وضع آليات صارمة لتأمين الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، نظراً لارتباط الساحل الغربي ارتباطاً وثيقاً بأمن التجارة العالمية والطاقة.
- مناقشة الخطط المستقبلية لشن عملية عسكرية واسعة النطاق تهدف إلى استعادة كامل المدن الساحلية وتطهير ما تبقى من جيوب ومناطق تحت سيطرة الميليشيات.
التداعيات والسيناريوهات المستقبلية: نحو مرحلة جديدة من تنسيق الصفوف
تعكس هذه التطورات الميدانية والسياسية المتسارعة دخول المشهد اليمني عموماً، والساحل الغربي خصوصاً، مرحلة جديدة وحاسمة من إعادة التنسيق الاستراتيجي والعملياتي بين القيادات العسكرية والسياسية المنضوية تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي. وتؤكد مجريات الأمور أن جبهات الساحل الغربي تخضع اليوم لتنظيم دقيق وهندسة عملياتية تهدف حصراً إلى توحيد الجهود، رتق الصدوع المحتملة، وقطع الطريق أمام أي مكاسب ميدانية مستقبلية أو دعائية تحاول جماعة الحوثي تحقيقها لرفع معنويات عناصرها المنهكة. وفي ظل ترقب الشارع اليمني لتحركات سياسية وعسكرية مرتقبة تنطلق شرارتها من الرياض، يبدو جلياً أن المرحلة القادمة لن تقتصر على رد الفعل الدفاعي، بل ستشهد تحولاً نوعياً نحو المبادرة والهجوم المنظم، مما يضع الأطراف العسكرية أمام اختبار حقيقي لإثبات كفاءة التنسيق والقدرة على حسم المعارك المصيرية، وسط دعم إقليمي ودولي متواصل لضمان استقرار اليمن وحماية أمن البحر الأحمر ومنع أي تهديدات تمس الأمن القومي العربي والملاحة الدولية.