الرئيسية تكنولوجيا تكنولوجيا وابتكار تصميم واجهات المستخدم جدل آيفون ديو: تصميم أبل الجديد يغضب مستخدمي اليد اليسرى

جدل آيفون ديو: تصميم أبل الجديد يغضب مستخدمي اليد اليسرى

13 سبتمبر 2026
01:03 ص
جدل آيفون ديو: تصميم أبل الجديد يغضب مستخدمي اليد اليسرى

لم يكن الكشف عن هاتف «آيفون ديو» القابل للطي، الذي أعلنت عنه شركة أبل هذا الأسبوع بعد شهور من التكهنات والترقب، حدثاً تقنياً عادياً في مسيرة الشركة الأمريكية العملاقة، بل تحوّل خلال ساعات قليلة إلى ساحة جدل غير متوقعة قلبت طاولة التوقعات رأساً على عقب. فبدلاً من أن ينصبّ النقاش على المواصفات التقنية للجهاز أو سعره المرتفع أو متانة شاشته القابلة للطي، انصبّت العاصفة على عنصر بدا للوهلة الأولى هامشياً: التصميم البصري وتوزيع عناصر التحكم على الشاشة.

وفجّر مستخدمو اليد اليسرى، الذين يُعرفون بـ«العُسر»، موجة غضب واسعة وصفوا فيها الواجهة بأنها «إقصائية» و«محبطة»، متهمين الشركة بأنها تجاهلت فئة تمثل نسبة معتبرة من سكان العالم. ولم يكن هذا الهجوم شكوى تقنية عابرة، بل كشف عن خلل أعمق في فلسفة التصميم التي اعتادت عليها أبل لعقود؛ إذ وُزّعت عناصر التحكم الأساسية بطريقة تخدم يميني اليد حصرياً، تاركة فئة كبيرة من المستخدمين في وضع غير مريح يهدد تجربة الاستخدام اليومية ويثير تساؤلات حول معايير الجودة داخل الشركة نفسها.

خلفية الحدث: سباق متأخر ومسؤولية مضاعفة

يأتي هذا الجدل في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لـأبل، التي تأخرت نسبياً في دخول سوق الأجهزة القابلة للطي مقارنة بمنافسين سبقوها إلى هذا الميدان منذ سنوات. وقد رافق الإعلان عن «آيفون ديو» سيل من التوقعات الضخمة من المحللين والمستخدمين على حد سواء، إذ كان يُنظر إلى الجهاز باعتباره فرصة الشركة لإعادة تعريف الفئة كاملة، لا مجرد لحاق بالركب.

لكن الإرث التصميمي لـأبل هو ما جعل الانتقادات أكثر قسوة. فقد بنت الشركة سمعتها عبر شبكة منتجاتها على وعد مزدوج: البساطة المطلقة في الاستخدام، والشمولية التي تجعل الجهاز ميسّراً لأوسع شريحة ممكنة من البشر. وحين تتزعزع هذه الثنائية، فإن الأثر لا يتوقف عند حدود منتج واحد، بل يمتد إلى الثقة المتراكمة التي راكمتها الشركة خلال عقدين من الابتكار المتواصل.

ويتضاعف حجم المشكلة لأن الهاتف القابل للطي بطبيعته جهاز «ثنائي الاستخدام»: شاشة خارجية صغيرة للاستعمال السريع بيد واحدة، وشاشة داخلية كبيرة مفتوحة للعمل والاستهلاك البصري. وفي هذا التشكيل الهجين تحديداً تظهر عيوب توزيع عناصر التحكم بشكل أكثر حدة، لأن المستخدم كثيراً ما ينتقل بين الوضعين ويحتاج إلى إمساك الجهاز بيد واحدة أثناء الحركة أو الوقوف أو قيادة وسائل النقل العام.

تفكيك الخلل: أين تقع المشكلة بالضبط في واجهة «آيفون ديو»؟

يرجع الغضب الأساسي إلى أن واجهة المستخدم في «آيفون ديو» صُممت بحيث تقع أزرار التحكم والتفاعل الحاسمة في مناطق يصعب الوصول إليها براحة باليد اليسرى، خاصة عند استخدام الهاتف بيد واحدة. وتشمل هذه العناصر الحساسة أزرار الرجوع والتأكيد والتمرير الجانبي، وقوائم الإعدادات السريعة، ومواضع الإشعارات المنسدلة، إضافة إلى مواضع شبكات الاختصارات التي باتت جزءاً أصيلاً من تجربة أنظمة أبل.

والمشكلة ليست في وجود هذه العناصر، بل في هندسة «مناطق الوصول للإبهام» التي تعتمد عليها الشركات في تصميم الهواتف الذكية. فالإبهام في اليد اليمنى يتحرك بحرية على قوس يغطي الجانب الأيسر من الشاشة، وهو ما يعني أن الأزرار الموضوعة في الطرف الأيسر أو في الزاوية العليا اليسرى تكون في «منطقة انعدام الوصول» بالنسبة لمستخدم اليد اليسرى. وتتحول هذه التفاصيل الدقيقة، المتراكمة عبر عشرات التفاعلات اليومية، إلى إرهاق جسدي وإحباط نفسي مع مرور الوقت.

ويزيد التصميم القابل للطي من تعقيد المشهد، لأن الشاشة الداخلية الأوسع تتطلب حركة إضافية للوصول إلى الضفة المقابلة، وهو ما قد يدفع بعض المستخدمين إلى فتح الجهاز بكلتا اليدين رغم رغبتهم في استخدامه بيد واحدة. وهكذا ينتقل الخلل من كونه تفصيلاً مظهراً إلى خلل وظيفي حقيقي يمسّ الاستخدام اليومي.

العُسر بالأرقام: فئة لا يمكن تجاهلها

تشير التقديرات المتداولة في الدراسات السكانية إلى أن نسبة مستخدمي اليد اليسرى تتراوح بين 10 و12 في المئة من سكان العالم، مع تفاوت ملحوظ بين المجتمعات. وتُظهر بعض الدراسات أن هذه النسبة ترتفع نسبياً في أسواق أوروبية وأمريكية بعينها، وهو ما يمنح الانتقادات الحالية ثقلاً تسويقياً مباشراً وليس مجرد بعد رمزي.

وعلى مدى سنوات طويلة، دأبت أبل على تسويق منتجاتها كأدوات «مدمجة وميسّرة للجميع»، وهو وعد ظل قائماً على مجموعة من الحلول العملية:

  • أوضاع عرض بديلة وإعدادات للوصول تتيح تحسين تجربة الاستخدام لأصحاب الاحتياجات المختلفة.
  • أدوات مساعدة بصرية وسمعية وحركية مدمجة في نسيج النظام، لا مضافة على هامشه.
  • واجهات قابلة للتخصيص بدرجة معقولة، تسمح للمستخدم بترتيب بعض العناصر وفق تفضيلاته.

لكن هذه الأدوات، بحسب المنتقدين، تبقى حلولاً «ترقيعية» لا تعالج جذر المشكلة، لأن توزيع العناصر الحيوية يظل محسوماً لصالح اليد اليمنى منذ مرحلة التصميم الأولى. وهنا يظهر الفرق الجوهري بين إتاحة الوصول كخيار متأخر، وبين التصميم الشامل كفلسفة مؤسسية تبدأ من أول رسم تخطيطي.

مبادئ التصميم الشامل تحت المجهر

يستدعي هذا الجدل النقاش العالمي حول مبادئ التصميم الشامل (Inclusive Design)، التي تدعو إلى مراعاة تنوع المستخدمين من حيث القدرات الجسدية والعمرية والثقافية منذ المراحل المبكرة من التطوير. ووفق هذه المبادئ، لا ينبغي أن يكون المستخدم مطالباً بالتكيف مع الجهاز، بل يجب أن يتكيف الجهاز مع تنوع مستخدميه.

وقد نجحت هذه الفلسفة في تحويل الإتاحة من عبء إضافي إلى ميزة تنافسية حقيقية، إذ أثبتت التجارب أن الحلول المصممة لأصحاب الاحتياجات الخاصة غالباً ما تفيد الجميع. غير أن تكلفة تطبيقها تبدأ من الاعتراف بأن كل قرار تصميمي يستبعد شريحة ما، هو قرار يحمل ثمنه التجاري لاحقاً.

ويرى مراقبون أن ما حدث مع «آيفون ديو» يمثل حالة نموذجية لما يسمى «العمى التصميمي» داخل الشركات الكبرى، حين تنشأ فرق التطوير من بيئات متقاربة وتختبر منتجاتها على عينات محدودة لا تعكس التنوع الحقيقي لقاعدة المستخدمين. وفي هذه الحالة، تصبح مرحلة الاختبار النهائي هي أول مرة يواجه فيها المنتج تنوعاً حقيقياً — وهي مرحلة متأخرة جداً لإصلاح الجذور.

ردود الفعل: من الغضب الرقمي إلى الانتظار الرسمي

انطلقت موجة الانتقادات أساساً عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمون صوراً ولقطات توضح مواضع الأزرار وصعوبة الوصول إليها باليد اليسرى، وأعادوا نشر تجارب شخصية عن الإرهاق والانزعاج. ولم يتركز النقاش في دوائر تقنية متخصصة فقط، بل امتد إلى نقاشات عامة حول العدالة في التصميم وحق المستخدم في تجربة متكافئة.

وبينما لم تصدر حتى الآن بيانات تفصيلية رسمية من أبل حول هذا الجدل، فإن صمت الشركة في مثل هذه المواقف يُقرأ عادة من زاويتين متعاكستين: إما أنها تدرس الملف داخلياً بعيداً عن ضجيج الإعلام، أو أنها تراهن على أن العاصفة ستهدأ تلقائياً. والتاريخ يرجّح الاحتمال الأول، إذ نادراً ما تعلق الشركة على الانتقادات التصميمية أثناء ذروة الجدل، وتفضّل الرد بالأفعال عبر تحديثات لاحقة.

في المقابل، برزت أصوات من داخل مجتمع المصممين والمهندسين تدعو إلى عدم حصر القضية في كونها «شكوى عُسر»، وربطها بالقضية الأوسع: كيف تبني الشركات الكبرى ثقافة تصميم تشاركية تشمل تنوع المستخدمين في مراحل التطوير المبكرة، وليس فقط بعد الإطلاق حين يصبح التغيير مكلفاً.

التبعات التجارية والتنافسية: فجوة قد يستغلها المنافسون

يتوقع المحللون أن يؤثر هذا الجدل على صورة العلامة التجارية لدى شريحة سكانية لا يمكن تجاهلها، خاصة في الأسواق الأوروبية والأمريكية حيث نسبة العُسر مرتفعة نسبياً، وحيث تنمو التشريعات المتعلقة بإتاحة الوصول بصورة متسارعة. وفي هذه الأسواق، لم تعد الإتاحة خياراً تسويقياً بل التزاماً تنظيمياً متزايد الصرامة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استجابة أبل لهذه الانتقادات في التحديثات القادمة، إذ إن تجاهلها قد يفتح الباب أمام منافسين مثل سامسونج وهواوي لاستغلال هذه الفجوة التسويقية وجذب فئة العُسر بحلول أكثر شمولية، تحوّل «التصميم الشامل» إلى رسالة إعلانية مباشرة. وتشير التجارب السابقة إلى أن الانتقادات من هذا النوع، إذا تُركت دون معالجة، تتراكم ببطء وتظهر لاحقاً في قرارات الشراء وأرقام المبيعات.

ويمكن تلخيص أبرز السيناريوهات المتوقعة أمام الشركة في المرحلة المقبلة:

  • مراجعة سريعة لواجهة المستخدم عبر تحديثات برمجية قادمة تتيح عكس مواضع العناصر الأساسية أو إعادة توزيعها.
  • إدماج أدوات تخصيص أعمق في الإعدادات، تمنح المستخدم تحكماً حقيقياً في أماكن الأزرار واتجاهات التمرير.
  • تأسيس مراجعة تصميمية داخلية تشمل خبراء في الإتاحة والقياسات البشرية قبل إطلاق الأجهزة التالية.
  • استمرار الصمت ثم معالجة جزئية متأخرة، وهو السيناريو الأكثر تكلفة على صعيد الثقة.

الدروس المستفادة ورؤية استشرافية

قد يبدو الجدل حول مواضع الأزرار في هاتف واحد أمراً ثانوياً أمام قضايا تقنية أكبر، لكنه في جوهره يمس سؤالاً أوسع: من يُمنح الحق في أن يكون المستخدم النموذجي؟ وقد أثبتت هذه الواقعة أن التصميم ليس تفصيلاً جمالياً محايداً، بل قرار قيمي يحمل في داخله أولويات وقناعات قد تستبعد فئات كاملة دون قصد معلن.

وتظل المعادلة الحاسمة أمام أبل واضحة: إن سرعة الاستجابة بالبرمجيات قد تطفئ جزءاً كبيراً من الغضب وتحوّل الأزمة إلى فرصة لتعزيز الثقة، أما التأخر فقد يحوّل هامشاً تصميمياً صغيراً إلى ثغرة تنافسية يتقاسمها المنافسون. وفي سوق الأجهزة الذكية، لم يعد المستخدم يقبل بأن يكون خياراً ثانوياً في معادلة التصميم، بل صار هو مركزها الذي تُبنى حوله كل القرارات.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات