في ظل متلازمة الأزمات الأمنية المتلاحقة التي تهز أركان الشرق الأوسط، جاء الاتصال الهاتفي عالي المستوى الذي جمع وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، بنظيره الإيراني الجديد، عباس عراقجي، ليفتح الباب أمام قراءة أعمق وأكثر تعقيداً لطبيعة التشابكات الإقليمية. لم تكن هذه المكالمة مجرد بروتوكول دبلوماسي تقليدي لتبادل وجهات النظر، بل مثلت تحركاً عاجلاً ومحموماً لاحتواء تداعيات هجمات عسكرية خطيرة استهدفت العمق السعودي، وانطلقت خيوطها التحقيقية الأولى لتشير بأصابع الاتهام إلى جماعات مسلحة تنشط داخل الأراضي العراقية. هذا الحدث المفصلي أعاد تسليط الضوء على إشكالية «سيادة الدولة العراقية» ومعضلة الفصائل المسلحة خارج إطار مؤسسة الجيش، ليضع العاصمة العراقية في عين السخونة الإقليمية والدولية.
خلفيات وتداعيات استهداف السعودية: عندما تصبح الأراضي العراقية ساحة تصفية حسابات
تعود جذور الأزمة الأخيرة إلى تصعيد أمني خطير تمثل في إطلاق طائرات مسيرة أو مقذوفات استهدفت منشآت حيوية واستراتيجية داخل المملكة العربية السعودية. التحقيقات الأولية والتقارير الاستخباراتية التي تم تداولها في كواليس الدوائر الدبلوماسية أشارت بوضوح إلى أن منصات الإطلاق ربما تم تفعيلها من مناطق حدودية نائية داخل العراق، وهي مناطق عانت طويلاً من الفراغات الأمنية وصعوبة السيطرة المطلقة من قبل القوات الحكومية. هذا الخرق الأمني لم يُقراء فقط كاعتداء مباشر على الأمن القومي السعودي، بل اعتبره مراقبون طعنة في ظهر مسار التهدئة الإقليمية والتقارب العربي الإيراني الذي رُسخت قواعده الأولى عبر تفاهمات بكين والجهود الدبلوماسية المضنية التي قادتها بغداد في السنوات الأخيرة. ووجدت الحكومة العراقية برئاسة محمد شياع السوداني نفسها في موقف لا تحسد عليه، فهي مطالبة أمام شعبها ومحيطها العربي والدولي بإثبات قدرتها على حماية حدودها، وألا تكون أراضيها ممرّاً أو مَقَرّاً لأي أعمال عدائية تهدد استقرار دول الجوار، وهو ما دفع الدبلوماسية العراقية للتحرك السريع على أعلى مستوى.
دبلوماسية الحافة وتبريد الجبهات: قراءة في توقيت وطبيعة المكالمة بين بغداد وطهران
جاء التوقيت الزمني للمكالمة بين فؤاد حسين وعباس عراقجي ليعكس حجم الهلع المبطن من انزلاق الأمور نحو مواجهة كارثية غير محسوبة النتائج. فعلى الجانب العراقي، كانت الرسالة واضحة وحاسمة: «العلن والصريح من سيادة العراق خط أحمر»، وأن بغداد لن تسمح بأن تُستدعى ساحتها الداخلية لتكون ورقة مساومة في صراعات المحاور الإقليمية والدولية. أما على الجانب الإيراني، فإن طهران -التي تواجه ضغوطاً غربية غير مسبوقة وتوترات متصاعدة مع تل أبيب وواشنطن- لا تبحث مطلقاً عن فتح جبهات جديدة مع دول الخليج العربي، وخصوصاً المملكة العربية السعودية التي تشهد العلاقات معها انفراجة تاريخية حساسة. ولذلك، سعت طهران خلال هذا الاتصال إلى امتصاص الغضب العراقي والخليجي، وإبداء مرونة ظاهرية في إمكانية التأثير على الحلفاء الميدانيين لضبط النفس، وتجنب أي حماقات قد تمنح الأطراف المعادية مبرراً لتوجيه ضربات عسكرية مدمرة للبنية التحتية لحلفاء إيران في المنطقة.
التصريحات الرسمية والمواقف الدولية: بين بيانات الإدانة وضغوط ضبط السلاح
أصدرت وزارة الخارجية العراقية بياناً مقتضباً لكنه شديد اللهجة عقب المكالمة، أكدت فيه أن أمن العراق واستقراره مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن جيرانه، وشددت على رفض بغداد القاطع استخدام أراضيها منطلقاً لأي اعتداءات خارجية. وفي المقابل، أكد الوزير الإيراني عباس عراقجي خلال المباحثات على دعم طهران الكامل لاستقرار العراق ووحدة أراضيه، مشدداً على ضرورة التنسيق المشترك لمواجهة ما وصفه بـ«المؤامرات الرامية لزعزعة أمن المنطقة». ورغم هذه الدوبلوماسية الناعمة والعبارات الفضفاضة، إلا أن الدوائر الغربية والأمريكية نظرت بعين الريبة والشك لهذه الوعود. وأكدت مصادر دبلوماسية غربية أن العبرة ليست في البيانات الرسمية بل في «الأفعال على الأرض»، ومدى قدرة حكومة بغداد على تفكيك شبكات التهريب والمنصات الصاروخية وملاحقة العناصر التي تأتمر بأجندات عابرة للحدود. وأشارت تقارير لمركز دراسات استراتيجية إلى أن الضغط الدولي على بغداد سيتصاعد بشكل كبير إذا لم تتبع هذه المكالمة خطوات عملية وملموسة على صعيد حصر السلاح بيد الدولة.
التحديات المستقبلية والسيناريوهات المحتملة للمشهد العراقي الإيراني الخليجي
تتعدد السيناريوهات المطروحة أمام صانع القرار في بغداد وطهران على حد سواء، في ظل تحديات هيكلية جسيمة:
- سيناريو الاحتواء الناجح: وهو السيناريو المفضل، حيث تنجح الضغوط الإيرانية على الفصائل، بالتعاون مع الحملات الأمنية العراقية المكثفة، في فرض هدنة ميدانية طويلة الأمد وإغلاق ملف الهجمات العابرة للحدود تماماً، مما يتيح استمرار مسار التقارب الخليجي الإيراني.
- سيناريو الفوضى المنفلتة: ويتمثل في فشل الحكومة العراقية في السيطرة على الفصائل المتطرفة التي قد تعاود الكرة وتنفذ هجمات جديدة، مما يفتح الباب أمام ردود عسكرية انتقامية مباشرة من قبل السعودية أو تحالف إقليمي-دولي، ويضع العراق في قلب عاصفة مدمرة.
- سيناريو الضغط الاقتصادي والسياسي: وهو خيار دولي-خليجي محتمل يقضي بفرض عقوبات أو قيود اقتصادية ودبلوماسية على بغداد لدفعها نحو حسم ملف الميليشيات وسلاحها المنفلت بجدية تامة.
الخلاصة ورؤية استشرافية للمستقبل
في الختام، يثبت الاتصال الهاتفي بين بغداد وطهران أن خيوط اللعبة الأمنية في العراق ما زالت شديدة التعقيد، وأن شبح الفصائل المسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة يظل التهديد الأكبر ليس فقط للاستقرار الداخلي العراقي، بل ولمجمل الأمن الإقليمي والدولي. إن قدرة العراق على تجاوز هذه المحنة تختبر بمدى شجاعته في تكريس سيادته الكاملة، بينما يختبر دور إيران بمدى صدق نواياها في التهدئة. وبين مطرقة الفصائل وسندان السيادة، يبقى الترقب سيد الموقف بانتظار ما ستكشفه الأيام القادمة من إجراءات أرضية حاسمة تحدد مصير الاستقرار الهش في المنطقة.