ختم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يوم الخميس 10 سبتمبر/أيلول، جولة دبلوماسية مكثفة استمرت ثلاثة أيام قادته إلى كولومبيا والإكوادور وبيرو، في تحرك يُعد الأول من نوعه والأوسع نطاقاً منذ توليه حقيبة الخارجية في إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية. الجولة التي رُوّج لها رسمياً كحملة إقليمية لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود وشبكات تهريب المخدرات، تحمل في باطنها هدفاً استراتيجياً أكبر بكثير: إعادة صياغة الحضور الأمريكي في النصف الغربي للكرة الأرضية، وكبح التمدد الصيني في قارة كانت تُوصف تقليدياً بأنها «الفناء الخلفي» لواشنطن.
وتأتي هذه التحركات تحت مظلة ما بات يُعرف إعلامياً بـ«مبدأ دونرو» (Donroe Doctrine)، وهو مصطلح نحتي يجمع بين لفظ «دون» المستخدم في الإشارة إلى ترامب، ومبدأ «مونرو» التاريخي، ما يمنح الجولة دلالة رمزية تفوق كثيراً جدول الأعمال المعلن المقتصر على مكافحة المخدرات. ووفق قراءة المراقبين، فإن الجولة ليست حدثاً منفصلاً، بل حلقة في سلسلة تحركات أمريكية متسارعة تشمل التعزيز العسكري في البحر الكاريبي، والضغط الاقتصادي، وإعادة ترتيب أولويات التحالفات الإقليمية.
«مبدأ دونرو».. إحياء مونرو بثوب ترامبي
لفهم أبعاد الجولة، لا بد من العودة إلى العام 1823 حين أعلن الرئيس الأمريكي جيمس مونرو مبدعه الشهير الذي حذّر القوى الأوروبية من التدخل في شؤون الأمريكتين تحت شعار «أمريكا للأمريكيين». وقد تحوّل هذا المبدأ لاحقاً، وتحديداً مع «مبدأ روزفلت التكميلي» عام 1904، إلى غطاء شرعي لتدخلات عسكرية وسياسية متكررة في دول أمريكا الوسطى والكاريبي، قبل أن يتراجع دوره النسبي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة لصالح مقاربات تجارية ومؤسساتية.
ما يحدث اليوم، وفق كثير من المحللين، هو إعادة إنتاج لهذا المبدأ بصيغة تنفيذية أكثر حدّة: قوة عسكرية معلنة، وتهديدات تجارية، وتصنيفات إرهابية للجماعات المسلحة، وضغط مباشر على الحكومات لاختيار معسكرها. والفارق الجوهري أن الخصم في هذه النسخة ليس دولة أوروبية استعمارية، بل قوة آسيوية صاعدة تُدعى الصين، تتحرك عبر الاستثمار والبنية التحتية والتجارة لا عبر الأساطيل.
كولومبيا: الطاقة النووية و«درع الأمريكتين»
في بوغوتا، التقى روبيو الرئيس الجديد دي لا إسبيريلا، في زيارة حملت ملفات تتجاوز مكافحة المخدرات بمسافات. فقد جرى التوقيع على اتفاقيات للتعاون في مجال الطاقة النووية المدنية وتوريد المواد الحيوية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بأمن سلاسل الإمداد للتقنيات الحديثة والطاقة النظيفة، فضلاً عن إعلان انضمام كولومبيا إلى مبادرة «درع الأمريكتين» التي تسعى واشنطن إلى بناء هيكل أمني إقليمي متعدد الأطراف تحت قيادتها.
وتكتسب هذه الخطوة ثقلاً إضافياً بالنظر إلى التحوّل السياسي في كولومبيا، التي كانت في السنوات الأخيرة من أكثر العواصم الإقليمية تبايناً مع واشنطن في ملفات مكافحة المخدرات وفنزويلا. ويعني انضمام بوغوتا للمبادرة أن الولايات المتحدة استعادت حليفاً تقليدياً في خاصرتها الجنوبية، وهو ما يُفسَّر بأنه مكسب أمني مباشر لخطة الاحتواء الجديدة.
الإكوادور: تصنيف «لوس تيغيرونيس» ومعركة التعدين غير القانوني
في كيتو، أجرى روبيو مباحثات معمّقة مع الرئيس دانييل نوبوا، أُعلن في ختامها تصنيف عصابة «لوس تيغيرونيس» منظمة إرهابية، إلى جانب رصد تمويل إضافي لدعم الأجهزة الأمنية الإكوادورية في مواجهة الجريمة المنظمة والتعدين غير القانوني. ولم يكن اختيار هذا الملف عشوائياً؛ فالإكوادور تعيش منذ عام 2024 واحدة من أخطر أزماتها الأمنية، بعد أن تحوّلت من بلد عبور للمخدرات إلى ساحة نزاع مسلح بين عصابات متنافسة على النفوذ.
الأهم أن ملف «التعدين غير القانوني» يحمل أبعاداً جيوسياسية واضحة، إذ تترابط شبكات التنقيب غير المشروع في منطقة الأمازون مع اقتصاديات موازية وشبكات تمويل عابرة للحدود، ما يجعلها مدخلاً أمريكياً لإعادة ترتيب الحضور في مناطق غنية بالمعادن الاستراتيجية لم تكن تقليدياً على رادار واشنطن.
بيرو: النحاس وسلاسل الإمداد في قلب المعركة
المحطة الثالثة كانت الأكثر حساسية. في ليما، اجتمع روبيو مع الرئيسة المنتخبة كيكو فوجيموري، التي أعلنت انضمام بلادها إلى مبادرة «درع الأمريكتين»، وسط نقاشات مكثفة تركزت على تأمين سلاسل توريد المعادن والنحاس. وبيرو ليست طرفاً عادياً في هذه المعادلة؛ فهي من أكبر منتجي النحاس في العالم، والمعدن الأحمر بات العمود الفقري لصناعات السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، أي أنه أصبح سلعة أمن قومي بامتياز.
ويتقاطع هذا الملف مباشرة مع الشراكة التجارية الضخمة التي تربط بكين بليما، والتي تعززت إثر تشغيل ميناء شانكاي كبوابة بحرية استراتيجية على المحيط الهادئ، وأصبحت الصين فيه المستهلك الأكبر للنحاس والمعادن البيروفية. الرسالة الأمريكية هنا واضحة: من يسيطر على خام النحاس وسلاسل إمداده، يملك ورقة ضغط في معركة التقنية العالمية.
انقسامات حادة وردود فعل متباينة
لم تمر هذه التحركات بسلام داخل الدول الثلاث. فقد تتعالى أصوات المعارضة في كولومبيا وبيرو محذّرة من مخاطر التدخل العسكري أو الهيمنة الأمريكية على القرار السيادي، ورأت أحزاب وشخصيات سياسية أن التحالف الأمني الجديد قد يجرّ المنطقة إلى صراعات لا تنتهي، ويحوّل أراضيها إلى ساحة مواجهة بين قوى خارجية.
وتضاف إلى ذلك مخاوف اقتصادية جدية من الإضرار بالعلاقات التجارية الحيوية مع الصين، التي تعد شريكاً تجارياً أول لكثير من دول القارة، والمشتري الأكبر للنحاس والمعادن والمنتجات الزراعية. وهنا تكمن المعادلة الصعبة: كيف توازن حكومات أمريكا الجنوبية بين حوافز أمنية وتمويل أمريكي من جهة، وبين أسواق وخامات وديون واستثمارات صينية يصعب التخلي عنها من جهة أخرى.
الصين في المرآة المقابلة.. نفوذ لا يُقرأ بالمخدرات
رغم تركيز البيانات الرسمية لواشنطن على محاربة تجارة المخدرات العابرة للحدود، فإن الأبعاد الجيوسياسية والاقتصادية أعمق من ذلك بكثير. فبكين لم تدخل أمريكا اللاتينية عبر القواعد العسكرية، بل عبر عقود البنية التحتية والموانئ ومشاريع الطاقة وشبكات الاتصال والتمويل التنموي، إلى جانب تجارة تجاوزت حجمها مئات المليارات من الدولارات سنوياً.
هذا النموذج الصامت يصعب مواجهته بأدوات أمنية تقليدية؛ إذ يتطلب بديلاً تمويلياً ضخماً وقدرة على تقديم مشاريع تنموية ملموسة. ومن دون ذلك، قد يجد الخطاب الأمريكي الجديد عن «الشراكة والدرع» فجوة بين الإعلان والقدرة على التنفيذ، وهو ما يدركه صنّاع القرار في بوغوتا وكيتو وليما بدقة.
سيناريوهات مستقبلية واستشراف
بناءً على ما سبق، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:
- سيناريو التصعيد المتدرج: توسيع مبادرة «درع الأمريكتين» لتشمل دولاً إضافية، مع تعزيز الحضور العسكري والاستخباراتي، ما يزيد الانقسامات الداخلية والاحتكاك مع بكين.
- سيناريو الموازنة البراغماتية: قبول حكومات المنطقة بالمظلة الأمنية الأمريكية دون قطع خطوط التجارة مع الصين، عبر سياسة «القدمين في قاربين».
- سيناريو التراجع النسبي: إن لم تترافق الجولة مع تمويلات واستثمارات ملموسة، فقد يتحول «مبدأ دونرو» إلى عنوان إعلامي بلا أثر بنيوي دائم على الأرض.
في المحصلة، تبدو أمريكا اللاتينية اليوم ساحة لصراع نفوذ طويل الأمد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي الأمريكي مع معركة سلاسل الإمداد للتقنيات الحديثة والطاقة، في مواجهة نفوذ صيني راسخ اقتصادياً. وجولة ماركو روبيو، بكل رمزيتها، لم تُغلق هذا الملف بل فتحته على مصراعيه؛ فالمعادلة لم تعد تتعلق بمن يمتلك القوة الأكبر، بل بمن يستطيع تقديم نموذج تنموي مقنع لدول تريد الشراكة دون فقدان سيادتها.