الرئيسية سياسة سياسة ودبلوماسية الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا ما الذي يوقف انتهاكات إسرائيل في سوريا؟ تحليل استراتيجي شامل

ما الذي يوقف انتهاكات إسرائيل في سوريا؟ تحليل استراتيجي شامل

13 سبتمبر 2026
09:51 م
ما الذي يوقف انتهاكات إسرائيل في سوريا؟ تحليل استراتيجي شامل

في حلقة برنامج «ما وراء الخبر» التي بُثّت يوم 13 سبتمبر 2026، استعرض المقدمون الأسباب العميقة التي تجعل إسرائيل تواصل توغلاتها العسكرية على الأراضي السورية، رغم التصريحات المتكررة عن وجود قنوات اتصال بين الجانبين. لم تكن الحلقة مجرد رصد للانتهاكات، بل محاولة لتفكيك المشهد المعقد الذي يربط بين الأمن القومي الإسرائيلي، والصراع الإقليمي على النفوذ، وغياب أي إطار دولي ملزم. فالتوغلات الإسرائيلية في سوريا ليست حدثاً عابراً، بل سياسة ممتدة منذ سنوات، تتقاطع فيها حسابات الجولان، والوجود الإيراني، وحزب الله، والتوازنات الروسية والتركية والأمريكية.

لماذا تستمر التوغلات الإسرائيلية رغم وجود قنوات اتصال؟

يرى المسؤولون الإسرائيليون أن وجود قواتهم في سوريا يضمن منع توغل قوات إيران وحزب الله إلى حدودهم، وهو ما يجعل أي اتفاقية لتقليل الوجود العسكري غير مقبولة من منظور الأمن القومي. فالقنوات الدبلوماسية التي تُذكر في البيانات الرسمية لا تزال تعاني من نقص الثقة، إذ تُستغل لتبادل رسائل غير ملزمة لا تغير من سياسات الأرض. هذه القنوات، بحسب قراءة الحلقة، أشبه بآلية لإدارة الأزمات ومنع التصعيد العرضي، وليست منصة للتفاوض على إنهاء الوجود العسكري أو رسم حدود جديدة للسيادة السورية.

وتضاف إلى ذلك عوامل داخلية إسرائيلية، إذ يصعب على أي حكومة إسرائيلية تقديم تنازلات في ملف يُعتبر جزءاً من «العمق الاستراتيجي» للجيش الإسرائيلي. كما أن استمرار التوغلات يمنح تل أبيب ورقة ضغط دائمة في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، سواء مع دمشق أو موسكو أو واشنطن. وكلما زادت التوترات الإقليمية، تحولت هذه التوغلات من عمليات تكتيكية إلى سياسة ثابتة يصعب التراجع عنها.

الأرقام والحقائق التي تكشف حجم الانتهاكات

منذ بداية الصراع، سجلت القوات الإسرائيلية أكثر من 150 غارة جوية في سوريا، أسفرت عن مئات الضحايا من المدنيين والعسكريين على حد سواء. وتشير التقارير إلى أن حصيلة الضحايا تجاوزت 300 ضحية، منهم 120 مدنياً، وهو رقم يعكس فداحة الاستهداف الذي طال بنى تحتية حيوية في مناطق حلب وحماة. ولم تقتصر الخسائر على الأرواح، بل امتدت إلى تدمير مرافق خدمية واقتصادية، ما زاد معاناة السكان وضاعف أزمات النزوح والخدمات الأساسية.

  • 150+ غارة جوية بين 2015 و2026.
  • أكثر من 300 ضحية، منهم 120 مدنياً.
  • تدمير بنى تحتية حيوية في مناطق حلب وحماة.

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مؤشر على أن الانتهاكات تحولت إلى نمط عمل متكرر. فكل غارة تحمل رسائل متعددة: رسالة لإيران وحزب الله، وأخرى لدمشق، وثالثة للقوى الدولية التي تراقب المشهد. وفي غياب آلية محاسبة فعلية، تظل هذه العمليات خارج أي عقاب دولي رادع، ما يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً لمواصلة سياساتها.

العوامل الاستراتيجية الكبرى: إيران وحزب الله وحدود الجولان

تبدو العوامل الاستراتيجية أكثر تعقيداً من مجرد ردود فعل على تهديدات آنية. فإسرائيل تدرك أن أي انسحاب كامل من سوريا قد يفتح الباب أمام إيران وحزب الله لتعزيز وجودهما قرب الجولان، وهو ما تعتبره تهديداً وجودياً. ولذلك، تحافظ على وجود عسكري محدود لكنه مؤثر، يسمح لها بالمراقبة والاستهداف عند الحاجة. هذا الوجود لا يحتاج إلى احتلال واسع، بل إلى نقاط ارتكاز واستخبارات وقدرة على توجيه ضربات دقيقة.

كما أن طبيعة الصراع السوري، بتشابك الفصائل والقوى الخارجية، جعلت إسرائيل تفضل «إدارة الصراع» بدلاً من حله. فهي لا تريد سوريا قوية قادرة على استعادة سيادتها الكاملة، ولا تريد سوريا منهارة تماماً تتحول إلى ملاذ آمن للجماعات المسلحة. وهذه المعادلة الدقيقة تدفعها إلى إبقاء التدخل محدوداً ومستمراً في الوقت نفسه، بما يضمن مصالحها دون تحمل تكاليف احتلال شامل.

روسيا وتركيا والولايات المتحدة: توازنات إقليمية هشة

تتقاطع الانتهاكات الإسرائيلية مع توترات إقليمية أوسع تشمل العلاقات مع روسيا وتركيا. فموسكو، الحليف الرئيسي لدمشق، تمتلك وجوداً عسكرياً في سوريا، لكنها تتفادى الاصطدام المباشر مع إسرائيل. وهذا التفادي يمنح تل أبيب مساحة للتحرك، لكنه لا يلغي حساسية المشهد. أما تركيا، فتراقب بدورها أي تغيير في موازين القوى شمال سوريا، وقد تعتبر أي توسع إسرائيلي عاملاً يزيد التعقيد على حدودها.

في المقابل، تبقى الولايات المتحدة لاعباً مركزياً، لكن دورها يتراوح بين الضغط الخفيف والتغطية السياسية. فمن دون إشارة أمريكية واضحة إلى أن الانتهاكات لم تعد مقبولة، يصعب تصور تغيير جذري في السلوك الإسرائيلي. وتدرك إسرائيل أن واشنطن قد تنتقد بعض العمليات، لكنها نادراً ما تصل إلى حد فرض عقوبات أو تغيير قواعد الاشتباك. وهذه الفجوة بين الخطاب والفعل هي أحد أهم أسباب استمرار الانتهاكات.

ما هي السيناريوهات المحتملة لوقف الانتهاكات؟

توجد عدة مسارات قد تفضي إلى خفض وتيرة الانتهاكات، لكنها جميعاً تظل مشروطة بتوافقات كبرى. أبرز هذه السيناريوهات:

  • ضغط دولي عبر الأمم المتحدة لفرض قرارات أقوى، مع آليات مراقبة ومحاسبة.
  • تدخل الولايات المتحدة لتعديل سياساتها الإقليمية والضغط على إسرائيل لوقف التصعيد.
  • توصل روسيا وإيران إلى اتفاقيات أمنية تشمل حدود سوريا وتحد من الوجود العسكري غير المتفق عليه.
  • توافق إقليمي واسع يضم تركيا ودولاً عربية وإيران وروسيا، وهو الأصعب لكنه الأكثر قدرة على الاستدامة.

لكن أي خطوة من هذه الخطوات تتطلب توافقاً إقليمياً واسعاً لا يزال بعيد المنال. فالأمم المتحدة عاجزة عن فرض قراراتها في ظل الفيتو، وواشنطن ليست مستعدة لدفع ثمن مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وموسكو وطهران لا تثقان في أي ترتيب أمني لا يضمن مصالحهما. أما التوافق الإقليمي، فهو رهين بتغيرات كبرى في سياسات الدول المعنية، وهو ما لا يبدو قريباً.

العقبات التي تمنع أي حل قريب

أمام هذه السيناريوهات، تبرز عقبات بنيوية تجعل وقف الانتهاكات مسألة شديدة التعقيد. أولاً، غياب الثقة بين الأطراف: فإسرائيل لا تثق بتعهدات إيران وحزب الله، ودمشق لا تثق بنوايا إسرائيل، وموسكو لا تريد خسارة دورها. ثانياً، غياب آلية تنفيذ دولية: فالقرارات تبقى حبراً على ورق ما لم ترتبط بآليات عقوبات أو قوة ردع. ثالثاً، الضغوط الداخلية في إسرائيل: حيث يُنظر إلى أي تراجع عن العمليات في سوريا كضعف استراتيجي. رابعاً، استمرار الفوضى السورية: ففي ظل غياب سلطة مركزية قوية، يسهل على إسرائيل تبرير تدخلاتها.

ويضاف إلى ذلك أن الانتهاكات الإسرائيلية لا تحدث في فراغ، بل ضمن صراع إقليمي ممتد بين محاور متعددة. وكلما زادت حدة هذا الصراع، تحولت سوريا إلى ساحة اختبار للقوة، وليس إلى ملف سيادي قابل للحل. وهنا تكمن المفارقة: فالقنوات الدبلوماسية قد تمنع تصعيداً كبيراً، لكنها لا توقف الانتهاكات اليومية، لأنها لا تعالج الأسباب الجذرية.

دروس مستفادة ورؤية استشرافية

ما يمكن استخلاصه من حلقة «ما وراء الخبر» أن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية في سوريا ليس نتيجة غياب الاتصالات، بل نتيجة غياب الإرادة الدولية والقدرة على فرض قواعد ملزمة. فطالما بقيت المصالح الكبرى غير متوافقة، وطالما ظل النظام الدولي عاجزاً عن حماية السيادة السورية، فإن الانتهاكات ستبقى أداة ضغط واستباق. وربما يكون الحل الوحيد المستدام هو انتقال سوريا من ساحة صراع إلى إطار أمني إقليمي شامل، يضمن عدم استخدام أراضيها لتهديد جيرانها، ويضمن في المقابل عدم استهداف سيادتها. لكن هذا المسار يبدو حتى الآن أقرب إلى أمنية سياسية من كونه واقعاً قابلاً للتنفيذ، ما يعني أن مشهد الانتهاكات مرشح للاستمرار، مع تقلبات في حدته تبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار
اقتصاد

لماذا تراجع تاسي 0.5% إلى 10542 نقطة؟ تداولات 2.9 مليار

أنهى مؤشر السوق السعودي جلسته على تراجع بنحو 0.5% ليستقر عند 10542 نقطة، في يوم كسر فيه مؤشر «نمو» الموازي القاعدة وربح 48 نقطة. الأرقام الكاملة للمزاد وأحجام السيولة تكشف ما لم يظهر في الصورة الكبيرة.

م. طارق المهيدب منذ 3 ساعات
ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟
سياسة

ما حقيقة معارك اليمن؟ لماذا تستهدف الحكومة الوازعية الآن؟

عملية عسكرية واسعة تشنها الحكومة اليمنية لاستعادة الوازعية في مارب بمشاركة 1,200 جندي وغطاء جوي أمريكي، وسط تصاعد الضحايا المدنيين وقبيل مؤتمر سلام في الرياض. فما حقيقة المعارك ولماذا هذا التوقيت؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 5 ساعات