الرئيسية تقارير خاصة تقارير وتحقيقات نموذج الحُكم اليدوي: كيف تعيد السلطة السورية تشكيل المعرفة والذات؟

نموذج الحُكم اليدوي: كيف تعيد السلطة السورية تشكيل المعرفة والذات؟

14 سبتمبر 2026
09:53 م
نموذج الحُكم اليدوي: كيف تعيد السلطة السورية تشكيل المعرفة والذات؟

في ظل التحولات المعقدة والعميقة التي تشهدها سوريا على مدار العقد الماضي وحتى اللحظة الحالية، تبرز تساؤلات جوهرية وملحة حول طبيعة العلاقة المعقدة التي تربط بين السلطة المركزية، وعمليات إنتاج المعرفة، ومفهوم الذاتية الفردية. لم يعد المشهد السوري مجرد صراع تقليدي على الجغرافيا والنفوذ السياسي العسكري، بل تجاوز ذلك ليتحول إلى معركة خفية وشرسة على العقول والوجدان، حيث يطرح مفهوماً نقدياً يُعرف بـ'نموذج الحُكم اليدوي'. هذا النموذج لا يكتفي بالسيطرة التقليدية على مفاصل الدولة والمجال العام، بل يمتد بأساليب هندسية معقدة ليشمل إعادة تشكيل الوعي، وتوجيه المسارات الفكرية، وتدجين الذات البشرية للأفراد بما يخدم استمرارية الهيمنة المطلقة.

تفكيك الجذور الفلسفية والتاريخية لمفهوم الحُكم اليدوي في سوريا

يعود الفضل في فهم آليات السلطة المعاصرة إلى إدراك أن الأنظمة الشمولية لا تعتمد فقط على القوة الصلبة والأجهزة الأمنية، بل تستثمر بعمق في القوة الناعمة والمؤسساتية. في السياق السوري، تعرّض النسيج الاجتماعي والسياسي لهزات عنيفة أتاحت للسلطة المركزية فرض 'نموذج الحُكم اليدوي' كبديل عن الإدارة المؤسسية الرشيدة. هذا النموذج يتجاوز الأطر التقليدية للإدارة البيروقراطية، ليتحول إلى عملية تدخل يومي مستمر وفوقي في تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين. إنها ساسة تقوم على إبقاء المجتمع في حالة من عدم الاستقرار المخطط، حيث تُدار الأزمات بشكل يدوي ومباشر عبر قرارات لحظية تتجاوز القوانين والدساتير والمؤسسات، مما يخلق حالة من التبعية المطلقة والهشاشة المجتمعية التي تسهل عملية التوجيه الفكري والسياسي دون أي مقاومة مؤسسية منظمة.

هندسة الوعي وتدمير الروابط الاجتماعية التقليدية

تتطلب هيمنة نموذج الحُكم اليدوي تفكيكاً ممنهجاً للروابط الاجتماعية التاريخية والتقليدية التي كانت تشكل حاضنة آمنة للهوية الفردية والجماعية في المجتمعات المحلية السورية. تعمد السلطة إلى إعادة تركيب هذه الروابط بطرق تخدم مصالحها الضيقة، مما يضع الفرد السوري أمام تحدٍ وجودي غير مسبوق يتمثل في كيفية الحفاظ على استقلالية ذاته وهويته في مواجهة ضغط التنميط المعرفي والسياسي الشامل. تتجسد هذه الهندسة بوضوح في إعادة صياغة المناهج التعليمية، والخطاب الإعلامي الموجه، والمؤسسات الثقافية، حيث تُستغل جميعها كأدوات حصرية لترسيخ خطاب السلطة الأوحد، وإلغاء أي مساحة للتفكير النقدي أو التعددية الفكرية، مما يؤدي تدريجياً إلى تجريف الحياة الثقافية والفكرية وتحويلها إلى صدى صامت لرغبات القصر الجمهوري والدوائر الأمنية المحيطة به.

آليات السيطرة المباشرة وتآكل الذاتية الفردية

تكشف آليات السيطرة المتبعة في هذا النموذج عن ملامح مقلقة لمستقبل المجتمع السوري، حيث يمكن رصد ثلاثة مسارات أساسية لتآكل البنية الذهنية والاجتماعية:

  • إعادة تعريف مفهوم 'المعرفة': تحويل المؤسسات التعليمية والأكاديمية من منارات للتنوير والبحث العلمي إلى أدوات لترسيخ الأيديولوجيا السلطوية وتبرير الاستبداد.
  • تآكل الذاتية والتفكير النقدي: تأثير منظومة المراقبة المستمرة والتحكم المعيشي على حرية التعبير، مما يُنتج أجيالاً تعاني من الاغتراب الفكري والعزلة النفسية.
  • غياب المؤسساتية: الاعتماد المطلق على التدخل اليدوي المباشر في إدارة الأزمات المعيشية والاقتصادية بدلاً من بناء نظم إدارية وقضائية مستقلة وعادلة.

التداعيات بعيدة المدى لصراع العقول والوجدان في سوريا

إن استمرار العمل بـ 'نموذج الحُكم اليدوي' يفرض واقعاً كارثياً يتسم بالهشاشة الم estructural على كافة المديات الزمنية. تصبح الذات الفردية رهينة تامة للقرارات اللحظية والتقلبات المزاجية للطبقة الحاكمة، مما يقضي على أي أفق للتنمية البشرية المستدامة. إن فهم هذه الديناميكيات المعقدة ليس مجرد تمرين أكاديمي فكري، بل هو خطوة أساسية ومصيرية لاستيعاب طبيعة الصراع الدائر في سوريا اليوم؛ إنه صراع لا يقتصر على الأرض والثرى، بل يمتد بعمق إلى العقول، والذاكرة الجمعية، والوجدان السوري. وفي خضم هذا المخاض العسير، يظل التحدي الأكبر أمام النخب الثقافية والمدنية السورية هو كيفية إيجاد مساحات معزولة ومقاومة لاستعادة الفضاء المعرفي المستقل، وبناء سرديات بديلة تقاوم التدجين الفكري وتؤسس لوعي جديد قادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الهوية والكرامة الإنسانية.

المصدر: الجمهوريّة (بموجب ترخيص المشاع الإبداعي CC BY).

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
عدن تستنجد بأوروبا: تصعيد حوثي يفرز موجات نزوح ضخمة وتحديات خدمية غير مسبوقة
سياسة

عدن تستنجد بأوروبا: تصعيد حوثي يفرز موجات نزوح ضخمة وتحديات خدمية غير مسبوقة

أزمة إنسانية متصاعدة تطال العاصمة المؤقتة عدن وسط تدفق واسع للنازحين جراء التوتر الميداني الأخير. فما هي تفاصيل التحركات الحكومية لاحتواء الضغط على البنى التحتية؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 9 ساعات