تتأهب جبهات الساحل الغربي في اليمن لمرحلة ميدانية مفصلية وحاسمة، وسط مؤشرات متصاعدة على قرب انطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق تهدف في جوهرها إلى إنهاء سيطرة جماعة الحوثي على مناطق حيوية واستراتيجية بالساحل، في خطوة كبرى يعول عليها العسكريون والسياسيون لإعادة رسم الخريطة الميدانية والسياسية في البلاد. هذه التطورات تأتي في ظل حالة من الاحتقان الشديد والترقب الحذر التي تسود المنطقة، حيث تتشابك خيوط السياسة الإقليمية والدولية مع التعقيدات الميدانية على الأرض، مما يجعل من مدينة الحديدة وموانئها الاستراتيجية بؤرة الصراع الأبرز التي تتجه إليها أنظار المراقبين والمحللين العسكريين على حد سواء، وسط تساؤلات ملحة حول توقيت ساعة الصفر والسيناريوهات المتوقعة لهذه المواجهة المرتقبة.
ترتيبات عسكرية وشيكة لتحرير مديريات الساحل الغربي
في السياق ذاته، كشف مدير إعلام محافظة الحديدة، علي حميد الأهدل، في تصريحات متلفزة حملت الكثير من الدلالات والرسائل الحاسمة، عن تحركات ميدانية متسارعة باتت مسألة أيام قليلة تفصلنا عن انطلاقها. وتستهدف هذه التحركات بشكل مباشر استعادة السيطرة الكاملة على مديريات حيوية في الساحل الغربي من بينها المخا وحيس والخوخة، وذلك ضمن استراتيجية شاملة ومدروسة بعناية لتأمين المنطقة بالكامل، ووضع حد نهائي للتهديدات المستمرة التي تتعرض لها الملاحة الدولية والمدنيون الأبرياء. تعتمد هذه الخطة العسكرية على تنسيق محكم وعالي المستوى بين مختلف التشكيلات العسكرية المرابطة على الأرض، بما يضمن توحيد الجهود وتوجيه ضربات موجعة ومفاجئة لمراكز العمليات والتحصينات التابعة لجماعة الحوثي، والتي حاولت طوال السنوات الماضية تثبيت أركان سيطرتها بالقوة الغاشمة وبث الرعب في أوساط السكان المحليين.
أبعاد إقليمية ودعم إيراني لأجندات تخريبية
لا يمكن قراءة المشهد الميداني الحالي في الساحل الغربي بمعزل عن الأبعاد الإقليمية المعقدة التي تحيط بالملف اليمني برمته؛ إذ تؤكد تقارير استخباراتية وميدانية متطابقة أن قيادة جماعة الحوثي تتلقى بصورة مستمرة توجيهات مباشرة وأوامر عملياتية من العاصمة الإيرانية طهران. وتهدف هذه التوجيهات الخارجية إلى توظيف الأوراق اليمنية لخدمة أجندات إقليمية أوسع، خصوصاً في ظل التوترات المتصاعدة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وفي هذا الإطار، تؤكد القيادات الميدانية والشعبية في الساحل الغربي أن الحسم العسكري بات يمثل الخيار الأبرز والوحيد المتبقي لتصحيح المعادلة الاستراتيجية، ووقف النزيف المستمر، وتحرير اليمن من الهيمنة والمشروع الطائفي الذي تسعى طهران لتصديره عبر وكلائها المحليين على حساب دماء الشعب اليمني ومقدراته الوطنية.
فاتورة النزوح وتداعيات إنسانية ومجتمعية كارثية
على الصعيد الإنساني والمجتمعي، خلفت سنوات الحرب والسيطرة الحوثية، فضلاً عن موجات التصعيد المتواصلة، أعباءً باهظة وفاتورة إنسانية فادحة تتمثل في نزوح جماعي وتشريد عشرات الآلاف من العائلات البريئة التي وجدت نفسها فجأة بلا مأوى وسط ظروف قاسية ومعيشية بالغة الصعوبة. هذه المعاناة المضاعفة لم تزد أبناء الساحل الغربي إلا إصراراً وثباتاً على مواجهة نفوذ الميليشيات ورفض الانصياع لمشروعها الإقصائي. وفي ظل تدهور الخدمات الأساسية وغياب أبسط مقومات الحياة الكريمة في مناطق سيطرة الحوثيين، تتصاعد المطالب الشعبية بضرورة الإسراع في الحسم العسكري كطريق حتمي ووحيد لإنهاء هذه المأساة، وعودة النازحين إلى ديارهم، وإعادة إعمار ما تخريبه آلة الحرب، وفتح صفحة جديدة من الأمن والاستقرار والتنمية في واحدة من أهم المناطق الحيوية على البحر الأحمر.
رؤية استشرافية: نحو إعادة هندسة الأمن القومي العربي
ختاماً، يمكن القول إن التحركات العسكرية المرتقبة في الساحل الغربي والحديدة لا تمثل مجرد معركة تكتيكية عابرة لاستعادة جغرافيا محددة، بل تشكل نقطة تحول كبرى ومحطة مفصلية في مسار الصراع اليمني برمته. إن نجاح هذه العمليات سيؤدي حتماً إلى تقويض قدرات جماعة الحوثي وإعادة رسم موازين القوى على الأرض، فضلاً عن تأمين خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر الذي يعد شرياناً رئيسياً للتجارة العالمية. إن استعادة الدولة وتطهير الساحل الغربي من النفوذ الحوثي المدعوم إيرانياً يمثلان ضرورة ملحة لا غنى عنها ليس فقط لأمن اليمن واستقراره، بل لمنظومة الأمن القومي العربي ككل، مما يتطلب التفافاً شاملاً ودعماً إقليمياً ودولياً جاداً وحاسماً لإنجاح هذه الخطوة المصيرية وتخليص اليمنيين من كابوس الانقلاب والحروب العبثية.