منذ انطلاقتها الأولى عام 1990 في قلب مدينة سانت بطرسبرغ، شكّلت جمعية «نوشليجكا» طوق نجاة حقيقياً للمتشردين والأشخاص بلا مأوى في روسيا، حيث تجاوزت أنشطتها مفهوم تقديم المساعدات الإغاثية التقليدية المؤقتة لتؤسس نموذجاً فريداً وشاملاً للرعاية الاجتماعية المتكاملة. هذا النموذج لا يقتصر على تأمين الغذاء والمأوى المؤقت فحسب، بل يمتد ليشمل تقديم الدعم النفسي والقانوني العميق، وصولاً إلى الرعاية الطبية المتقدمة ومحاولات إعادة التأهيل المجتمعي الشامل. وسط بيئة اجتماعية وقانونية بالغة التعقيد، يبرز اسم المدير السابق للجمعية، غريغوري سفيردلين، الذي قاد دفة العمل الإنساني بحنكة وشجاعة بين عامي 2011 و2022، مسجلاً محطات فارقة وملهمة في تاريخ العمل الخيري الروسي الحديث، وواضعاً حجر الأساس لتغيير النظرة المجتمعية تجاه هذه الفئة المهمشة.
الكواليس التي صنعت الفارق: من الاستحمام المجاني إلى غسالات الثياب
شهدت سنوات قيادة سفيردلين للجمعية نقلة نوعية وجذرية تمثلت في إطلاق حزمة مشاريع مبتكرة واستثنائية أعادت للمتشردين كرامتهم الإنسانية المسلوبة. لقد أدركت إدارة «نوشليجكا» مبكراً أن المأوى وحده لا يكفي إن لم يترافق مع استعادة الثقة بالنفس والقبول المجتمعي. وفي هذا السياق، دشت الجمعية مرفق «نيرافنودوش» للاستحمام المجاني، وهو مشروع حيوى منح آلاف المحرومين فرصة للحفاظ على نظافتهم الشخصية وكرامتهم. ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، بل تم افتتاح وحدة استشارية متخصصة لتقديم الدعم القانوني والاجتماعي، تساعد النزلاء في استخراج الأوراق الثبوتية المفقودة، وهو التحدي الأكبر الذي يحرمهم من أبسط حقوق المواطنة والتوظيف.
علاوة على ذلك، ابتكرت الجمعية مشروعاً فريداً أطلق عليه اسم «المغسلة الثقافية»، وهي مساحة مخصصة ومجهزة بالكامل تتيح للمشردين غسل وتجفيف ملابسهم مجاناً، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى كسر حاجز الإقصاء الاجتماعي والنفسي الذي يعانونه. هذه المشاريع الصغيرة في ظاهرها، كانت في عمقها أدوات جبارة لهدم الجدران العالية بين المهمشين وبقية أفراد المجتمع، مما مهد الطريق لدمج حقيقي وفعال للعديد منهم في سوق العمل والحياة الطبيعية، وتحويلهم من طاقات معطلة إلى عناصر فاعلة.
لماذا كان افتتاح فرع موسكو معركة حقيقية شرسة؟
لم تكن طريق «نوشليجكا» مفروشة بالورود، بل كانت حافلة بالعراقيل والمعارك المستميتة، ولعل أبرزها محاولة التوسع نحو العاصمة الروسية موسكو. لقد واجه هذا التوسع رفضا قاطعا وضغوطا مجاستية ومؤسسية مكثفة من السكان المحليين والمسؤولين الذين تخوفوا من وجود مراكز إيواء بالقرب من أحيائهم السكنية، تغذيهم صور النمطية السلبية والخوف المبرر أو المفتعل من المتشردين.
- واجه التوسع نحو العاصمة موسكو رفضا قاطعا وضغوطا مكثفة من السكان المحليين والمسؤولين الرافضين لوجود مراكز إيواء.
- تعرضت خطط الجمعية لحملات هجوم وتحرش إعلامي واسع النطاق قادتها قنوات كبرى مثل قناة «روسيا 1» التلفزيونية لشيطنة العمل الخيري.
- اضطرت الجمعية لمواجهة ضغوط بيروقراطية وأمنية هائلة هددت بوقف المشروع برمته في مهدداته الأولى.
- توجت هذه التحديات بإصدار كتاب توثيقي هام بعنوان «بونكت أوبوغريفا» (مركز التدفئة) بدعم من مؤسسة «ستريت فوروورد»، ليوثق تلك الحقبة الصعبة وطرق تخطيها.
التحديات البيروقراطية والنفسية: هكذا واجهت «نوشليجكا» عاصفة الرفض
إن تتبع مسيرة «نوشليجكا» يكشف بوضوح عن حجم الهوة بين العمل الميداني الإنساني الصادق وبين البيروقراطية الحكومية والحملات الإعلامية الموجهة. فعندما قررت الجمعية افتتاح مراكز تدفئة شتوية في موسكو، اصطدمت بجدار من الرفض الشعبي الممنهج. قادت وسائل الإعلام الرسمية، وفي مقدمتها قناة «روسيا 1»، تغطيات مثيرة للجدل صورت المشردين كتهديد أمني وصحي للمجتمع، بدلاً من تسليط الضوء على مأساتهم الإنسانية الناتجة عن ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.
هذه الحملات لم تكن مجرد آراء صحفية، بل تحولت إلى ضغوط حقيقية على الملاك والجهات المؤجرة، مما دفع العديد منهم إلى فسخ عقودهم مع الجمعية في اللحظات الأخيرة. ورغم ذلك، أثبت فريق العمل بقيادة سفيردلين صبراً استثنائياً وقدرة فائقة على الحوار المجتمعي، وتنظيم حملات توعية عامة، وشرح الأبعاد الإنسانية والصحية لمشروع مراكز التدفئة، مما نجحت في النهاية في كسب تعاطف شريحة واسعة من الشباب والمتطوعين الذين شكلوا درعاً بشرياً وقانونياً لحماية المبادرة.
ما الذي تعنيه تجربة «نوشليجكا» لمستقبل العمل الخيري العالمي؟
تُقدم مذكرات وشهادات غريغوري سفيردلين قراءة استثنائية وعميقة في كواليس العمل الإنساني تحت وطأة الضغوط السياسية والاجتماعية الشرسة، مسلّطة الضوء على القدرة الفائقة للمؤسسات المدنية المستقلة على إحداث تغيير ملموس وجذري رغم شراسة البيئة المحيطة. لا تقتصر القيمة المعرفية والتاريخية لهذه التجربة على توثيق الماضي النضالي لجمعية «نوشليجكا» فحسب، بل تتعداه لتشكل خارطة طريق عملية ومثالية لكل منظمة غير حكومية، ولكل ناشط إنساني يسعى لمواجهة ظاهرة التهميش وصناعة الأمل في أشد الظروف والمناخات السياسية والاجتماعية تعقيداً.
إن الدروس المستفادة من رحلة «نوشليجكا» تؤكد أن العمل الخيري الحقيقي لا يقاس فقط بحجم الأموال المدفوعة، بل بقدرته على تغيير الوعي الجمعي، وإعادة الاعتبار لإنسانية الإنسان بغض النظر عن وضعه الطبقي أو القانوني، وكسر حواجز الخوف والإقصاء بالشفافية والعمل الميداني المستمر.
المصدر: Meduza (بموجب ترخيص المشاع الإبداعي CC BY).