الرئيسية تقارير خاصة أسرار وشاح المريخ: بيانات مدارية تكشف عن تباين حراري صادم تحت السطح الأحمر
تقارير خاصة 12 دقيقة قراءة

أسرار وشاح المريخ: بيانات مدارية تكشف عن تباين حراري صادم تحت السطح الأحمر

تحرير: فيصل الحربي
نُشر في: 02 سبتمبر 2026
02:09 ص
مُحدّث: منذ 3 أسابيع
أسرار وشاح المريخ: بيانات مدارية تكشف عن تباين حراري صادم تحت السطح الأحمر

لعقود طويلة، ظل الانقسام الحاد بين نصفي المريخ واحداً من أعقد الألغاز في علوم الكواكب. فالنصف الشمالي من الكوكب الأحمر عبارة عن سهول منخفضة ومستوية نسبياً، بينما يتميز النصف الجنوبي بمرتفعات وعرة ومليئة بالفوهات، يصل ارتفاعها إلى خمسة أو ستة كيلومترات فوق مستوى السهول الشمالية.

كيف قرأ العلماء ما تحت السطح دون حفر؟

التحدي الكبير في دراسة باطن الكواكب هو عدم القدرة على القياس المباشر. فالمسبارات التي هبطت على المريخ لم تحفر سوى أمتار محدودة تحت السطح، بينما يمتد الوشاح على عمق آلاف الكيلومترات. لذلك، لجأ فريق دولي بقيادة ألكسندر بيرن، الباحث في جامعة أريزونا، إلى تقنية مبتكرة تُعرف باسم «التصوير المقطعي المدّي» (Tidal Tomography).

تعتمد هذه التقنية على فكرة بسيطة في جوهرها: المريخ يدور حول الشمس في مدار غير دائري تماماً، ومحوره مائل، مما يعني أن جاذبية الشمس تسحب الكوكب وتشده بشكل دوري ومتغير. استجابة المريخ لهذا الشد تعتمد على صلابة المواد في باطنه. وكما يقول بيرن: «يستخدم الناس المد والجزر للكشف عن المياه الجوفية، حيث تقاس التغيرات الدقيقة في قوة الجاذبية وتُستخدم لاستنتاج كثافة المواد تحت السطح». لكن ما فعله الفريق كان أكثر تعقيداً: فقد أعادوا معالجة ستة عشر عاماً من بيانات التتبع اللاسلكي التي جمعتها ثلاث مركبات مدارية تابعة لناسا هي «مارس غلوبال سيرفيور»، و«مارس أوديسي»، و«مارس ريكونيسانس أوربيتر».

المفتاح كان في ما يُعرف بـ «معاملات الجاذبية من الدرجة الثالثة» (Degree-3 gravity coefficients). فإذا كان المريخ جسماً متجانساً ومتماثلاً، فإن هذه المعاملات يجب أن تكون قريبة من الصفر. لكن ما وجده الفريق كان صادماً: أحد هذه المعاملات اختلف عن التوقع بنسبة تقارب 300%، وهي إشارة قوية إلى وجود تباينات عميقة في باطن الكوكب.

التباين الحراري: أرقام تتحدث عن نفسها

النتيجة النهائية كانت واضحة: يجب أن يختلف «معامل القص الفعال» للوشاح بنسبة تزيد على 20% بين نصفي الكوكب، وأن هذا الاختلاف يتركز تحديداً تحت المرتفعات الجنوبية. وبما أن معامل القص يتأثر بدرجة الحرارة، فإن التفسير المنطقي الوحيد هو وجود شذوذ حراري في وشاح الجنوب.

لكن الدراسة لم تتوقف عند هذا الحد. فبفضل بيانات مهمة «إنسايت» (InSight) الزلزالية، تمكن فريق آخر من تأكيد هذه النتائج من زاوية مختلفة تماماً. فمن خلال تحليل الموجات الزلزالية الصادرة عن «هزات مريخية» في منطقة «تيرا سيميريا» الجنوبية، وجد الباحثون أن الموجات تضعف بشكل أسرع بكثير مما هي عليه في منطقة «سيربيروس فوساي» الشمالية. وترجمة هذا الضعف إلى درجات حرارة أظهرت أن وشاح الجنوب يبلغ حوالي 1000 درجة مئوية، بينما يبلغ وشاح الشمال حوالي 800 درجة مئوية فقط.

هذا الفارق البالغ 200 درجة مئوية، وهو أقل تقدير، له تبعات هائلة. فدرجات الحرارة الأعلى تعني لزوجة أقل، مما يسمح بحركة أسرع وأكثر ديناميكية للحمل الحراري في الوشاح الجنوبي. وكما يوضح فريق «إنسايت»: «ارتفاع درجة حرارة الوشاح الجنوبي أدى إلى انخفاض لزوجته، مما سهّل حملاً حرارياً أكثر ديناميكية».

لماذا يحدث هذا؟ فرضيات متصارعة

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: ما الذي خلق هذا التباين الحراري؟ تقدم الدراسة تفسيرين رئيسيين، وكلاهما يعود بنا إلى مليارات السنين، عندما كان المريخ عالماً مختلفاً تماماً.

الفرضية الأولى: العزل الحراري بفعل القشرة السميكة. تشير النماذج إلى أن القشرة الجنوبية أكثر سمكاً من الشمالية بنحو 25 كيلومتراً في المتوسط. هذه القشرة السميكة تعمل كـ«بطانية حرارية» تحبس الحرارة الناتجة عن التحلل الإشعاعي للعناصر المشعة داخل الوشاح، بدلاً من السماح لها بالتسرب نحو السطح. ومع مرور مليارات السنين، يتراكم هذا الأثر، مما يبقي الجنوب أكثر سخونة من الشمال.

الفرضية الثانية: الحمل الحراري الإقليمي. قد يكون التباين ناتجاً عن تيارات حمل حراري عنيفة في وشاح الجنوب، ترفع الحرارة من الأعماق نحو الأعلى. وتشير دراسات سابقة إلى أن وشاح الجنوب قد يصل إلى درجات حرارة أعلى، مع لزوجة أقل، مما يسمح بحمل حراري أكثر قوة.

لكن هناك فرضية ثالثة أكثر إثارة: الاصطدام العملاق. تفترض بعض الدراسات أن المريخ تعرض في بداياته لاصطدام هائل بجسم بحجم كوكب صغير، أحدث فوهة عملاقة في نصفه الشمالي، وأدى إلى إعادة تشكيل وشاح الكوكب بالكامل. وبينما تدعم البيانات الحديثة فرضية الحمل الحراري أكثر من الاصطدام العملاق، فإن الاحتمال لا يزال قائماً، خاصة وأن دراسات أخرى تشير إلى أن الاصطدام قد يكون قد حدث فعلاً قبل 4.4 مليار سنة تقريباً.

ماذا يعني هذا لبحث الحياة على المريخ؟

قيمة هذا الاكتشاف لا تقتصر على فهم البنية الداخلية للمريخ. فتاريخ المريخ المائي، وقدرته على دعم الحياة في ماضيه البعيد، مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ببنيته الداخلية. ويشير الباحثون إلى أن الاختلاف في سماكة القشرة بين النصفين «يحتمل أن يكون قد أثّر على أنظمة الغلاف المائي السطحية»، بحيث أصبحت مصادر المياه الكيميائية متاحة للتفاعل مع الصخور السطحية في الشمال أكثر من الجنوب.

والأهم من ذلك، أن الاختلاف الحراري الحالي قد يكون مستمراً منذ مليارات السنين، مما يعني أن أجزاءً من الوشاح الجنوبي ربما لا تزال قريبة من درجة حرارة الانصهار الجزئي. وهذا يعني أن المريخ، رغم برودته السطحية الشديدة، لا يزال يحتفظ بنشاط حراري داخلي كبير.

أبعاد الاكتشاف الجيولوجي

تفتح هذه النتائج، التي نشرتها تقارير استقصائية متخصصة، آفاقاً جديدة لفهم طبيعة التباينات الطبوغرافية والجيولوجية التي طالما حيرت العلماء. إن هذا التفاوت الحراري الكبير في باطن الكوكب لا يعد مجرد رقم عابر، بل هو مفتاح أساسي لتفسير:

  • تاريخ النشاط البركاني الذي شكل تضاريس المريخ.
  • الآليات التي أثرت على توزيع الموارد المائية وتدفقها في العصور الغابرة.
  • التطور الديناميكي للغلاف الصخري وتأثيره على استقرار سطح الكوكب.

إعادة قراءة لتاريخ الكوكب الأحمر

يشير الباحثون إلى أن هذه الاختلافات في درجات الحرارة داخل الوشاح قد تكون المسؤولة عن التفاوتات السطحية الملحوظة بين نصفي الكرة المريخية، مما يعزز الفرضيات التي تربط بين العمليات الحرارية الداخلية والتغيرات المناخية والجيولوجية الكبرى التي شهدها الكوكب عبر ملايين السنين.

ما الذي ينتظرنا؟

يبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن التحقق من هذه الفرضيات؟ الحل يكمن في جيل جديد من المهام الفضائية. فالمهمات الحالية تفتقر إلى الأدوات اللازمة للقياس المباشر للتدفق الحراري تحت السطح، ومحطات الزلازل الواسعة الانتشار. لكن البيانات التي تم جمعها حتى الآن ترسم خريطة واضحة: المريخ ليس كوكباً ميتاً جيولوجياً، بل هو عالم لا يزال يحتفظ بذاكرة حرارية من ماضيه، ويكتب فصلاً جديداً في قصة تطور الكواكب الصخرية.

والدرس الأكبر من هذه الدراسة يتجاوز المريخ نفسه: افتراض التماثل في باطن الكواكب ليس دائماً صحيحاً. وكما يقول بيرن: «غالباً ما يفترض العلماء أن باطن الأجسام الكوكبية متماثل كروياً، لكن هذا ليس صحيحاً بالضرورة». هذا الاكتشاف يفتح الباب أمام إعادة تقييم بنية كواكب أخرى، ربما يكون بعضها أيضاً أكثر «اختلافاً» في داخله مما نتصور.

أسئلة شائعة

ما هو الشذوذ الحراري في المريخ؟

هو فارق حراري كبير في وشاح الكوكب، حيث يكون وشاح نصف الكرة الجنوبي أكثر سخونة من الشمالي بنحو 200 إلى 400 درجة مئوية.

كيف اكتشف العلماء هذه الظاهرة دون حفر؟

استخدموا تقنية «التصوير المقطعي المدّي»، التي تعتمد على تحليل استجابة المريخ للتغيرات الدورية في جاذبية الشمس، باستخدام بيانات تتبع ثلاث مركبات مدارية لناسا على مدى 16 عاماً.

ما الذي يسبب هذا الفارق الحراري؟

التفسيرات المرجحة هي العزل الحراري الناتج عن قشرة الجنوب الأكثر سماكة، والحمل الحراري الإقليمي في الوشاح. وهناك فرضية أقل ترجيحاً تربطه باصطدام عملاق قديم.

هل هذا يعني وجود حياة على المريخ؟

لا يعني ذلك بالضرورة وجود حياة حالياً، لكنه يشير إلى أن المريخ كان أكثر دفئاً ونشاطاً في ماضيه، مما قد يكون قد وفر بيئات مناسبة لتكوين الحياة.

هل لا يزال المريخ نشطاً جيولوجياً؟

البيانات تشير إلى أن وشاح الجنوب قد يحتوي على مناطق قريبة من الانصهار الجزئي، مما يعني أن الكوكب لم يتوقف تماماً عن النشاط الجيولوجي الداخلي.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار