في خطوة تعكس مدى حساسية الخطاب الإعلامي والسياسي المرتبط بالعمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، كشفت وثائق داخلية مسربة من القوات الجوية الأمريكية عن توجيه صارم أصدرته وزارة الدفاع الأمريكية البنتاغون يقضي بوقف استخدام التسمية الرمزية الحركية "عملية الغضب الملحمي" (Epic Fury) عند الإشارة إلى الأنشطة والعمليات العسكرية المستمرة المرتبطة بإيران. يأتي هذا القرار الإداري والتوجيه العسكري بعد مضي نحو ثلاثة أشهر كاملة من إعلان الإدارة الأمريكية رسمياً عن طي صفحة هذه العملية وإنهاء غاياتها العسكرية المباشرة، وهو ما يفتح باب التساؤلات على مصراعيه حول طبيعة الدوافع الكامنة خلف هذا القرار في هذا التوقيت بالذات، ومدى تأثير الرمزيات اللغوية والمصطلحات الحربية على مسار التوترات الجيوسياسية المعقدة بين واشنطن وطهران.
خلفية ودوافع إطلاق اسم "الغضب الملحمي" وسياقها الزمني
تعود جذور إطلاق تسمية "الغضب الملحمي" إلى مطلع عام 2025، حين وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام ضغوط ميدانية واستراتيجية هائلة استدعت تدخلاً عسكرياً رادعاً ومكثفاً. تم تصميم الحملة في ذلك الحين لتكون استجابة حاسمة لما وصفتها واشنطن بالتهديدات والتصعيدات المستمرة من قبل الفصائل الموالية لإيران وأذرعها المنتشرة في المنطقة، والتي استهدفت المصالح الأمريكية وقواعدها العسكرية الحيوية. تميزت العملية منذ انطلاقتها بتبني خطاب إعلامي وعسكري عالي النبرة، يعكس رغبة الإدارة في إظهار الحزم والقوة المطلقة، إلا أن تداعيات هذه العمليات وامتداداتها خلقت حالة من الجدل الواسع داخل دوائر صنع القرار في واشنطن حول ضرورة ضبط إيقاع الصراع لمنع انزلاقه إلى حرب إقليمية شاملة يصعب السيطرة على مخرجاتها.
تفكيك البريد الإلكتروني الداخلي للجيش الأمريكي وأبعاد التوقيت
وفقاً للتفاصيل التي كشف عنها البريد الإلكتروني الداخلي الموثق للجيش الجوي الأمريكي، فإن القرار لم يكن مجرد توصية عابرة، بل جاء بصيغة توجيه صريح ومباشر للضباط والجنود والوحدات الميدانية بضرورة محو هذا المصطلح من التاريس والتقارير اليومية. وقد استند التوجيه إلى حقيقة أن الاستمرار في تداول اسم "الغضب الملحمي" رغم الإعلان الرسمي عن انتهائها يُسهم بشكل مباشر في تأجيج الخطاب الإعلامي والعسكري، ويمنح الخصوم مادة دسمة لاستخدامها في حرب الدعاية السياسية. وتشير المعطيات إلى أن الفارق الزمني المتمثل في ثلاثة أشهر بين الإعلان السياسي عن انتهاء العملية وبين صدور هذا التوجيه الميداني الصارم، يعكس بوضوح بطء البوقراطية العسكرية في مزامنة الخطاب الميداني مع التوجيهات الدبلوماسية العليا، وهو ما استدعى تدخلاً استدراكياً من المستويات القيادية العليا لضبط الإيقاع اللفظي.
التناقض بين الخطاب الإعلامي واستمرار الضربات المحدودة
واحدة من أبرز الإشكاليات التي ألقى التقرير الضوء عليها، هي استمرار وقوع بعض الضربات الجوية والتحركات العسكرية المحدودة في المنطقة رغم الإعلان الرسمي عن انتهاء "عملية الغضب الملحمي". هذا الاستمرار للعمليات الميدانية دفع العديد من الضباط والوحدات إلى مواصلة استخدام الاسم الرمزي للعملية في تقاريرهم الداخلية ومراسلاتهم اليومية لتعلقها اللوجסטי بالعمليات السابقة. وهنا تبرز المعضلة الكبرى التي واجهتها قيادة البنتاغون؛ فبينما تتطلب الضرورة الميدانية أحياناً تنفيذ ضربات استباقية أو دفاعية محدودة، فإن لصق هذه الأنشطة باسم استراتيجي ضخم مثل "الغضب الملحمي" يرسل رسائل خاطئة للرأي العام الدولي والخصوم على حد سواء، مفادها أن الحرب لا تزال مستعرة ولم تضع أوزارها بعد، وهو ما يتعارض تماماً مع الرغبة السياسية لواشنطن في خفض التصعيد.
- صدر التوجيه رسمياً عبر قنوات البريد الإلكتروني الداخلي المعتمد للجيش الجوي الأمريكي لضمان وصوله لجميع الوحدات المعنية.
- فترة التأخير الزمنية بلغت ثلاثة أشهر كاملة بين إعلان إنهاء العمليات وتاريخ صدور أمر وقف استخدام التسمية.
- الهدف الاستراتيجي الأساسي تمثل في تقليل حدة الخطاب العسكري الهجومي وتجنب إشعال توترات دبلوماسية وإعلامية إضافية غير محسوبة.
- طبيعة العمليات الجارية تشهد استمراراً لضربات جوية محدودة وضيقة النطاق لأسباب أمنية تكتيكية رغم انتهاء الحملة الكبرى.
القراءة الاستراتيجية لمدلولات القرار في السياسة الأمريكية تجاه إيران
على الرغم من التأكيد القاطع من قبل المصادر الأمنية والعسكرية الرسمية بأن هذا التوجيه لا يعكس أي تغيير استراتيجي واسع أو تحول جذري في السياسة العامة للولايات المتحدة تجاه إيران، إلا أن المحللين الاستراتيجيين ينظرون إلى هذا الإجراء باعتباره مؤشراً دالاً على رغبة واشنطن في إحكام السيطرة على الحرب النفسية والإعلامية. إن إدارة الصراعات الحديثة لم تعد تقتصر على الميدان العسكري فحسب، بل تمتد لتشمل هندسة المفردات والمصطلحات التي تمن شرعية للتحركات أو تستفز الأطراف الأخرى. إن التخلي عن اسم يحمل دلالات انتقامية أو تصعيدية مثل "الغضب الملحمي" يتيح للولايات المتحدة مساحة أكبر للمناورة الدبلوماسية، ويمنحها القدرة على الرد العسكري عند الضرورة دون أن تجد نفسها محاصرة بلافتات إعلامية صاخبة تعيق جهود التهدئة والاحتواء.
السيناريوهات المستقبلية وتداعيات هندسة الخطاب العسكري الأمريكي
استشرافياً، يمكن القول إن هذا التوجيه يمثل خطوة استباقية نحو نمط جديد من إدارة الأزمات الإقليمية من قبل البنتاغون، حيث يتم فصل الأنشطة التكتيكية الروتينية عن الحملات الاستراتيجية الكبرى لتفادي سوء الفهم الذي قد يؤدي إلى حروب إقليمية واسعة. إن التداعيات المتوقعة لهذا القرار ستنعكس إيجاباً على تقليل منسوب التوتر الإعلامي، فضلاً عن إرسال إشارات هادئة للشركاء والخصوم على حد سواء بأن الولايات المتحدة تدير ملفاتها بحرفية عالية توازن بين الردع الميداني والتهذيب اللفظي. وفي الختام، يبقى الصراع الأمريكي الإيراني محكوماً بمعادلات معقدة، لكن التحكم في "اسم المعركة" يظل أداة حيوية في يد صانع القرار لمنع انزلاق الأمور إلى حافة الهوية العسكرية الكاملة.