في ظل تصاعد الأزمات الإنسانية المنسية في الخاصرة اليمنية، أطلقت الحكومة الشرعية في اليمن نداءً إنسانياً عاجلاً ومكثفاً للمجتمع الدولي، والأمم المتحدة، وكافة المنظمات الإغاثية الإقليمية والدولية، بغية تدارك كارثة وشيكة تهدد حياة مئات الآلاف من النازحين في محافظتي الحديدة وتعز. هذا التحرك الحكومي العاجل لم يأت من فراغ، بل هو صرخة أخيرة في وجه واقع مرير تعيشه العائلات التي شردتها آلة الحرب، وباتت تقاسي الأمرين تحت وطأة الجوع، والمرض، وانعدام أبسط مقومات العيش الكريم في مخيمات العشوائيات والعراء.
خلفيات النزوح المأساوي في الحديدة وتعز: جغرافيا الألم والمعاناة
تعتبر محافظتا الحديدة وتعز من أكثر المناطق اليمنية تضرراً منذ اندلاع الصراع المسلح الذي مزق البلاد. ففي محافظة الحديدة، الساحلية ذات الأهمية الاستراتيجية المطلة على البحر الأحمر، أدى الصراع المستمر وتداعياته إلى موجات نزوح واسعة النزاق، شملت المديريات الجنوبية والشرقية مثل حيس وخباز والتحيتا. وتتداخل في الحديدة ظروف قاسية تتمثل في المناخ الساحلي الحار والرطب، وانعدام الخدمات الأساسية، وتدمير البنية التحتية لشبكات المياه والصرف الصحي، مما يضاعف من معاناة الأطفال والنساء والمسنين.
أما في محافظة تعز، المحاصرة جزئياً منذ سنوات طويلة، فتأخذ مأساة النزوح الداخلي طابعاً مركباً ومعقداً. فالمدينة التي تُعد الكثافة السكانية الأعلى في اليمن، تستضيف أعداداً هائلة من النازحين الفارين من خطوط النار المتاخمة ومناطق الريف الملتهبة. يعيش هؤلاء النازحون في مباني مدمرة، أو مخيمات مؤقتة تفتقر لأبسط معايير السلامة الإنسانية، وسط ظروف جغرافية وعرة تزيد من عزلتم وتعيق وصول قوافل الإغاثة الإنسانية بانتظام.
تفاقم الفجوة الغذائية وانعدام الأمن الغذائي الشامل
تشير التقارير الميدانية الصادرة عن المنظمات المحلية والدولية العاملة في الشأن الإنساني إلى أن شبح المجاعة بات يطرق أبواب مئات الأسر النازحة في الحديدة وتعز. لقد أدى تراجع تمويل خطط الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة خلال الأعوام الأخيرة إلى تقليص حاد في الحصص الغذائية الدورية التي كانت توزعها برنامج الغذاء العالمي وشركاؤه.
اليوم، تجد العائلات النازحة نفسها أمام خيارات مريرة في ظل ارتفاع جنوني لأسعار المواد الغذائية الأساسية، وانهيار القوة الشرائية للعملة المحلية، وغياب فرص العمل ومصادر الدخل المستدامة. وتتركز أبرز الاحتياجات الغذائية والملحة في الآتي:
- توفير السلال الغذائية المتكاملة التي تغطي الاحتياجات الأساسية من الدقيق، والزيت، والسكر، والبقوليات لضمان الحد الأدنى من البقاء على قيد الحياة.
- إطلاق برامج التغذية العلاجية العاجلة المخصصة للأطفال دون سن الخامسة والنساء الحوامل والمرضعات لمواجهة معدلات سوء التغذية الحاد الوخيم.
- تأمين المساعدات النقدية المشروطة وغير المشروطة لتمكين الأسر من شراء احتياجاتها الضرورية من الأسواق المحلية وتنشيط الحركة الاقتصادية الصغرى.
- دعم سبل العيش المستدامة ومشاريع الأمن الغذائي المؤقتة كالصيد الساحلي والزراعة المعيشية لتقليل الاعتماد المطلق على الإغاثة الخارجية.
القطاع الصحي المنهار وشبح الأوبئة والأمراض الفتاكة
لا يقتصر الأمر على انعدام الغذاء فحسب، بل يمتد ليشمل الانهيار الشامل لمنظومة الرعاية الصحية في مناطق النزوح بتعز والحديدة. تعمل نسبة ضئيلة جداً من المرافق الصحية بكفاءة محدودة، بينما خرجت الغالبية العظمى عن الخدمة جراء القصف، أو التدمير، أو نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، فضلاً عن هجرة الكوادر الطبية بحثاً عن سبل أمان ومعيشة أفضل.
في فصل الصيف خصوصاً، تحولت مخيمات النزوح في الساحل الغربي (الحديدة) وأودية تعز إلى بؤر لتفشي الأمراض والأوبئة الفتاكة مثل الملاريا، وحمى الضنك، والكوليرا، والإسهالات المائية الحاد، في ظل انعدام المياه الصالحة للشرب وضعف الوعي الصحي البيئي. وتحذر الجهات الطبية من أن أي تأخير إضافي في توفير المحاليل الوريدية، والأدوية المنقذة للحياة، ومستلزمات تنقية المياه سيفضي حتماً إلى حصد أرواح المئات، خصوصاً من الفئات الهشة.
أزمة المأوى والمياه: صراع البقاء تحت لهيب الشمس وبرد الشتاء
تُمثّل أزمة السكن والمأوى التحدي الأبرز الذي يواجه مئات الآلاف من النازحين في هاتين المحافظتين. تعيش آلاف العائلات في خيام مهترئة مصنوعة من الأقمشة البلاستيكية والكرتون، والتي لا تقي حراً ولا برداً، وتتطاير مع هبات الرياح الموسمية، مما يجعل النساء والأطفال عرضة للتقلبات المناخية القاسية. كما أن غياب دورات المياه الآمنة والخاصة في المخيمات يضاعف من معاناة النساء والفتيات ويهدد سلامتهن وخصوصيتهن.
إلى جانب ذلك، تعاني المناطق المستضيفة للنازحين من أزمة حادة في مصادر المياه المستدامة الصالحة للشرب. تضطر العائلات أحياناً لقطع مسافات طويلة جلبًا للمياه من آبار مكشوفة وملوثة، مما يتسبب في تفشي الأمراض المنقولة بالمياه. إن تدخل المنظمات الإنسانية لتوفير شبكات إمداد مياه نظيفة، وحفر وتأهيل الآبار الارتوازية، وتوزيع خزانات المياه يظل مطلباً ملحاً لا تقبل تأجيلاً.
الاستجابة الدولية المنشودة: سيناريوهات وتداعيات المستقبل
تؤكد التقييمات الاستراتيجية أن استمرار الوضع الراهن دون تدخل دولي جاد ومنسق سيقود لا محالة إلى كارثة إنسانية واسعة النطاق، ستكون لها تداعيات أمنية واجتماعية خطيرة على الاستقرار الهش أصلاً في اليمن والمنطقة. إن النداء الإنساني العاجل الذي أطلقته الحكومة اليمنية يجب أن يُقابل بتحرك دبلوماسي وإنساني فوري من قبل المانحين الدوليين، ومجلس الأمن، والوكالات الأممية المختصة.
تتطلب المرحلة الراهنة تجاوز البيروقراطية الإغاثية، وإيجاد آليات تنسيق ميدانية مرنة تضمن وصول المساعدات العنسانية مباشرة إلى مستحقيها في الحديدة وتعز دون عوائق لوجستية أو قيود ميدانية. إن الاستثمار في حياة النازحين اليمنيين اليوم هو استثمار مباشر في استقرار مستقبل البلاد، ومنع انزلاق الملايين نحو حافة الهاوية التامة، وهو ما يضع الضمير الإنساني العالمي أمام اختبار حقيقي ومصيري.