في خطوة أمنية وقضائية بالغة الأهمية والدلالة، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في محافظة اللاذقية السورية، بالتعاون المشترك والتنسيق المكثف مع إدارة مكافحة الإرهاب، عن إلقاء القبض على الجندي السابق جلال كامل صقر، الذي شغل سابقاً منصب قائد اللواء 18 مشاة في تشكيلات قوات النظام السوري. وتأتي هذه العملية في وقت تشهد فيه الساحة الداخلية السورية تحولات نوعية على صعيد ملاحقة الملفات الحقوقية العالقة، وتحديداً تلك المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت على مدار سنوات الأزمة الطويلة. ولا تقتصر أهمية هذا الاعتقال على كونه إجراءً أمنياً تقليدياً، بل يمتد ليمس بنية القيادات العسكرية التي أدارت العمليات الميدانية في مفاصل حرجة من عمر الصراع، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات ملحة حول مستقبل العدالة الانتقالية والمساءلة القانونية في البلاد.
التفكيك الهيكلي ودور اللواء 18 مشاة في خريطة العمليات الميدانية
يُعد اللواء 18 مشاة واحداً من التشكيلات العسكرية الحساسة التي لعبت دوراً محورياً وموثقاً في عمليات القمع والسيطرة الميدانية خلال المراحل الأولى والحرجة من الصراع السوري. وبحسب التقارير العسكرية والأرشيفات الحقوقية، وُظّف هذا اللواء تحت قيادة شخصيات أمنية وعسكرية بارزة، من بينهم جلال كامل صقر، لتنفيذ مهام قتالية وأمنية معقدة في مناطق عدة شهدت حراكاً شعبياً واسعاً واحتجاجات مناهضة للنظام. وخلال هذه العمليات، وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية عشرات الانتهاكات الجسيمة التي نُسبت بشكل مباشر أو غير مباشر للتشكيلات التابعة لهذا اللواء، بما في ذلك فرض الحصار على المدن والبلدات، واستخدام القوة المفرطة وغير المبررة، واقتحام الأحياء السكنية وسط عمليات تدمير واسعة النطاق للبنية التحتية والممتلكات الخاصة والعامة، مما جعل اسم اللواء مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بذاكرة الألم والمعاناة لدى آلاف العائلات السورية.
طبيعة الاتهامات والملفات الموثقة ضد جلال كامل صقر
تستند عملية الاعتقال التي استهدفت جلال كامل صقر إلى ملفات تحقيقات موسعة جمعتها جهات أمنية ورقابية بالتعاون مع شهادات حية لشهود عيان وضحايا ناجين. وتتوزع الاتهمات الموجهة إليه عبر محاور قانونية وحقوقية دقيقة تشمل:
- ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية: من خلال إصدار أوامر مباشرة بقصف مناطق مدنية مأهولة واستخدام أسلحة محظورة أو غير متناسبة مع طبيعة العمليات العسكرية.
- الاعتقال التعسفي المنهجي: تنفيذ وإشراف شخصي على حملات مداهمة واعتقال واسعة طالت مدنيين، بينهم ناشطون سلميون، دون استناد إلى أي مذكرات قضائية أو قانونية معتمدة.
- التواطؤ والإشراف على التعذيب: وجود أدلة وشهادات تقاطع تورطه في شبكات الاعتقال السري، والتواطؤ مع الأجهزة الأمنية المختلفة في ممارسة أساليب تعذيب ممنهجة أفضت إلى الموت تحت الجوع والتعذيب داخل المعتقلات التابعة للقطاع العسكري الذي كان يقوده.
- استغلال النفوذ والسلطة: تورط محتمل في عمليات نهب ومصادرة لممتلكات المدنيين الفارين أو المعتقلين تحت ذرائع أمنية واهية.
ردود الفعل الحقوقية والدولية وتداعياتها على مسار المساءلة
أثارت أنباء اعتقال جلال كامل صقر تفاعلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية المحلية والدولية، حيث سارعت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان إلى إصدار بيانات تؤكد أن هذه الخطوة، رغم تأخرها، تمثل بارقة أمل واختباراً حقيقياً لمدى جدية السلطات المحلية في إنهاء سياسة الإفلات من العقاب. وأكدت منظمات دولية بارزة أن تحقيق العدالة الحقيقية للضحايا والمغيبين قسراً لا يمكن أن يكتمل دون إجراء محاكمات علنية وشفافة، تضمن حقوق الدفاع وتكشف عن مصير آلاف المفقودين. ومن جهة أخرى، يرى مراقبون سياسيون أن هذا الإجراء قد يحمل دلالات سياسية أعمق، تتمثل في محاولة ترميم الثقة الشعبية، وإرسال رسائل إيجابية إلى المجتمع الدولي تفيد بأن هناك توجهاً داخلياً نحو ضبط الانتهاكات الفردية والمؤسسية ومحاسبة رموز الفساد والقمع العسكري الذين عبثوا بأمن المدنيين.
السيناريوهات المستقبلية والتأثيرات بعيدة المدى على المشهد الأمني
تفتح محاكمة قائد عسكري بحجم جلال كامل صقر الباب أمام سيناريوهات متعددة ترسم ملامح المرحلة المقبلة في سوريا. السيناريو الأول يتمثل في تحول هذه القضية إلى "قضية نموذجية" تفتح شهية المدعين العامين والجهات الحقوقية لملاحقة قيادات أمنية وعسكرية أخرى متورطة في انتهاكات مشابهة، مما قد يساهم في تطهير المؤسسات الأمنية والعسكرية وإعادة هيكلتها على أسس مهنية ووطنية بعيدة عن ارتكاب الفظائع. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في محاولات الالتفاف على التحقيقات من قبل شبكات النفوذ القديمة التي قد تحاول حماية حلفائها عبر طمس الأدلة أو تزييف الحقائق. وبين هذا وذاك، يبقى الرأي العام السوري ومنظمات المجتمع المدني في حالة ترقب دائم، معتبرين أن المقياس الحقيقي لنجاح هذه التحقيقات يكمن في مدى استقلاليتها وشفافيتها، والوصول إلى أحكام قضائية عادلة وناجزة تنصف الضحايا وتؤسس لدولة القانون والمؤسسات.