مع حلول عام 2026، يفتتح اليمن فصولاً جديدة ومؤلمة من معاناته المستمرة منذ 12 عاماً من الحرب والدمار، حيث لم تعد الحرب مجرد صراع مسلح عابر يمكن تسويته باتفاقيات سياسية سريعة، بل تحولت إلى حالة من الهشاشة البنيوية التي ترسخ نفسها بعمق في تفاصيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي والنفسي للمجتمع اليمني. تشير التحليلات السياسية والاقتصادية والإنسانية الأخيرة إلى أن الأثر التراكمي للنزاع لم يقتصر على الدمار المادي للبنية التحتية، بل امتد ليشمل البنية النفسية والاجتماعية والتعليمية، مما ينذر خطراً بتحول هذه الهشاشة إلى "ميراث جليلي" وثقيل ينتقل تركةً ثقيلة من جيل إلى آخر إذا لم يتم التعامل مع جذورها بجرأة ومسؤولية تاريخية.
من الطوارئ المؤقتة إلى الحالة المزمنة المترسخة
تؤكد التقارير والبيانات الصادرة عن المنظمات الإنسانية الدولية والمحلية أن الأزمة اليمنية قد تجاوزت بوضوح مرحلة الطوارئ الإنسانية القصوى لتستقر في مربع "الأزمات المزمنة" التي تتغذى باستمرار على استمرار الانقسام السياسي الحاد، وغياب الأفق الوطني الشامل، وتراجع الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة. هذا التحول الخصم والدسيس يعني حتمية أن الحلول الإغاثية العاجلة أو المساعدات المتقطعة لم تعد كافية على الإطلاق، بل يتوجب بالضرورة التعامل المباشر والجذري مع أسباب المشكلة التاريخية والهيكلية التي تتعلق بتآكل حضور الدولة في قطاعاتها الحيوية، مما أدى بالتبع إلى نشوء اقتصاد حرب موازٍ ومرعب يكرس الفقر المستدام، ويقضي بالكامل على فرص التنمية الاقتصادية والنمو المستقبلي لأجيال كاملة.
تآكل العقد الاجتماعي وظهور اقتصاد الحرب
لقد أدى أمد النزاع الطويل إلى تفكيك شبه كامل للعقد الاجتماعي التاريخي الذي كان يربط بين مكونات المجتمع اليمني ومؤسسات الدولة. ومع انقطاع المرتبات لفترات طويلة وتراجع القدرة الشرائية للعملة المحلية وتآكل الطبقة الوسطى، ظهرت شبكات مصالح غير مشروعة تقتات على استمرار حالة الفوضى واللانظام. هذا الواقع أفرز ما بات يُعرف اقتصادياً بـ "اقتصاد الحرب"، حيث تتحول الأزمات المعيشية وانعدام الأمن الغذائي إلى أدوات لجمع الثروة والنفوذ لصالح أطراف مستفيدة من بقاء الوضع الراهن على حاله. وفي خضم هذه الصراعات، يجد المواطن البسيط نفسه محاصراً بين مطحنة الغلاء الفاحش وانعدام فرص العمل، مما يضطر آلاف الأسر إلى تبني استراتيجيات بقاء قاسية للغاية، من بينها التخلي عن تعليم الأبناء ودفعهم نحو أسواق العمل المبكر لسد رمق العيش، وهو ما يمثل أولى اللبنات في بناء جدار الهشاشة المتوارثة.
آليات انتقال الهشاشة البنيوية بين الأجيال
تبرز عدة عوامل رئيسية ومتداخلة تساهم بشكل مباشر في نقل وتوطين هذه الهشاشة إلى الأجيال الصاعدة، مهددةً مستقبل البلاد بأسره، ويمكن تلخيصها في المحاور التالية:
- الانهيار المأساوي للقطاع التعليمي: خروج ملايين الأطفال خارج أسوار المدارس، وتراجع البنية التحتية للمؤسسات التعليمية، وغياب حوافز المعلمين، مما خلق جيلاً جديداً يعاني من الأمية الأبجدية والوظيفية، ويفتقر لأدنى المهارات اللازمة لسوق العمل الحديث.
- الصدمات النفسية والعصبية العميقة: الانتشار الواسع لاضطرابات ما بعد الصدمة، والقلق المزمن، والاكتئاب بين الأطفال والشباب جراء مشاهد العنف والنزوح المتكرر، مما يؤثر سلباً وعمقاً على الصحة العقلية ويعيق أي إمكانية للاندماج الاجتماعي والمهني السليم.
- الفقر البنيوي المتجذر: التدمير المنهجي لسبل العيش التقليدية كالصيد والزراعة والتجارة الحرة دون توفير أي بدائل اقتصادية حقيقية، مما يحيل الفقر من حالة طارئة مؤقتة إلى حالة دائمة ومتوارثة تنتقل عمودياً بين الأسر المتعاقبة.
- غياب الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية: انتشار سوء التغذية الحاد الوخيم بين الأطفال الرضع والأمهات الحوامل، مما يؤدي إلى تشوهات وتداعيات جسدية وعقلية بعيدة المدى تؤثر على الإنتاجية العامة للمجتمع مستقبلاً.
دور المجتمع الدولي والمسؤولية الإقليمية
في ظل هذه المعطيات القاتمة والمخاوف المتصاعدة، يرى الخبراء والمحللون الاستراتيجيون أن مستقبل اليمن لم يعد مجرد شأن داخلي محصور، بل بات مرهوناً بالقدرة الفعلية للمجتمع الدولي، والدول الشдинаة والمؤثرة، والأطراف المحلية المتصارعة على تحويل الهدن المؤقتة أو أي تسوية سياسية مرتقبة إلى مشروع تنموي وطني شامل. هذا المشروع يجب أن يضع في أولوياته معالجة الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية للحرب، بدلاً من الاكتفاء بوقف إطلاق النار الشكلي الذي يترك الجذور العميقة للأزمة دون علاج. إن إعادة بناء مؤسسات الدولة وتأهيل قطاعي التعليم والصحة، وتوفير شبكات الأمان الاجتماعي، تمثل الركائز الأساسية التي لا غنى عنها لانتشال اليمن من قاع الهشاشة المستدامة وإعادته إلى مسار الاستقرار والبناء الحقيقي.
رؤية استشرافية: هل من مخرج لدائرة الصراع المفرغة؟
ختاماً، إن استمرار تجاهل التداعيات بعيدة المدى لحرب الأشقاء في اليمن يعني الحكم على جضوع بأكملها بالضياع خارج التاريخ وجغرافيا التنمية العالمية. إن التحدي الأكبر الذي يواجه صانع القرار اليمني والمجتمع الدولي في المرحلة القادمة لا يقتصر على إخماد نيران الصراع العسكري الميداني فحسب، بل يتعداه إلى تفكيك ألغام الفقر والبؤس والجهل التي زرعتها سنوات الحرب العجاف في عقول ونفوس الأجيال الجديدة. وبدون رؤية استراتيجية عاجلة وشجاعة تمول وتدير عملية إعادة إعمار بشرية ومؤسسية شاملة، سيبقى اليمن يدور في فلك من عدم الاستقرار المظلم، وهو ما سيلقي بظلاله الثقيلة وتداعياته السلبية الخطيرة على الأمن الإقليمي والدولي بأسره، مما يجعل التحرك الفوري ضرورة حتمية لا تحتمل التسويف أو التأجيل.