في خطوة تعكس تعقيدات المشهد الدبلوماسي والسياسي في القارة الإفريقية، جاءت تصريحات رئيس بوروندي والرئيس الدوري للاتحاد الإفريقي، إيفاريست ندايشيميي، لتلقي بظلال كثيفة على مسار الأزمة السودانية المستمرة. خلال المؤتمر الصحفي الهام الذي عُقد في مدينة نيالا حاضرة ولاية جنوب دارفور، قطع ندايشيميي الشك باليقين مؤكداً أن الموقف الصادر عن مفوضية الاتحاد الإفريقي تجاه الحوار الذي دعا إليه قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان لا يعكس بالضرورة الإرادة المؤسسية والمبادئ الراسخة للاتحاد.
خلفيات الأزمة السودانية وموقف المؤسسات القارية
تعود جذور الأزمة السياسية الحالية في السودان إلى التداعيات العميقة لاندلاع الصراع المسلح في منتصف أبريل 2023، والذي أدى إلى تدمير البنية التحتية وتشريد ملايين السودانيين داخلياً وخارجياً. وفي خضم هذه الفوضى، تسعى الأطراف الإقليمية والدولية لإيجاد مخرج آمن يحقن الدماء. وهنا يبرز دور الاتحاد الإفريقي باعتباره المظلة الرئيسية القارية المعنية بحفظ السلم والأمن. غير أن التباين في وجهات النظر بين مكاتب المفوضية وقادة الدول الأعضاء خلق حالة من الضبابية السياسية حول من يمثل الموقف الرسمي للاتحاد تجاه المبادرات الداخلية التي يطلقها قادة الصراع.
مبدأ مناهضة الانقلابات: العقبة الكأداء أمام الشرعية
شدد الرئيس البوروندي إيفاريست ندايشيميي بلهجة حاسمة على أن الاتحاد الإفريقي يظل متمسكاً برافضه القاطع لأي تحركات أو تغييرات غير دستوريه تتنافى مع القيم الديمقراطية للمنظمة. القوانين التأسيسية للاتحاد الإفريقي، وتحديداً قانون السلم والأمن وميثاق الديمقراطية، تفرض مقاطعة صارمة وتجميداً لعضوية أي دولة تشهد استيلاءً عسكرياً على السلطة. ومن هذا المنطلق، فإن أي مبادرة حوار تُطرح من قبل المؤسسة العسكرية في السودان تُقابل بحذر شديد من قبل الدوائر الدبلوماسية الإفريقية، خشية أن تكون محاولة لإضفاء شرعية سياسية على واقع فُرض بقوة السلاح، بعيداً عن تطلعات الشعب السوداني المشروعة في التحول المدني الديمقراطي.
موقف حكومة السلام الانتقالية وتحالف تأسيس
في السياق الميداني والسياسي ذاته، سارعت "حكومة السلام الانتقالية" التي أعلنها تحالف "تأسيس" من قلب مدينة نيالا، للترحيب بموقف الرئيس البوروندي. واعتبر قيادات التحالف أن تصريحات ندايشيميي تمثل انتصاراً للشرعية الشعبية ورفضاً للمناورات السياسية التي تهدف إلى الالتفاف على مطالب القوى المدنية والحركات الهامشية. وأكدت الحكومة الانتقالية في بيانها أن دعوة قائد الجيش للحوار لا تعدو كونها مناورة تكتيكية تفتقر إلى الجدية اللازمة لبناء سلام عادل ومستدام، داعية الأسرة الدولية والاتحاد الإفريقي إلى ضرورة توحيد المواقف والضغط الفعّال باتجاه عملية سياسية شاملة لا تُقصي أحداً ولا تمنح حصانة لمرتكبي الانتهاكات.
التداعيات الإقليمية والدولية لمستقبل الوساطة في السودان
تفتح تصريحات نيالا الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حرجة حول مستقبل الوساطات الإفريقية والدولية في السودان. فالانقسام الظاهري أو التباين في التفسير بين رؤساء الدول الفاعلين في الاتحاد الإفريقي ومفوضية المنظمة يضعف من كفاءة التدخلات الدبلوماسية ويمنح أطراف النزاع مساحات للمناورة والتهرب من الاستحقاقات الكبرى. إن غياب استراتيجية موحدة يعرقل جهود الإيقاف الفوري لإطلاق النار ويؤخر مساعي إيصال المساعدات الإنسانية لملايين المتضررين. ومن هنا، بات لزاماً على الهيئات الإفريقية صياغة موقف موحد وشفاف يتناغم تماماً مع نبض الشارع السوداني وتضحياته الجسام.
السيناريوهات المستقبلية وآفاق الحل السياسي الشامل
استشرافاً للمستقبل، تبرز أمام الأزمة السودانية عدة سيناريوهات محتملة؛ أولها استمرار حالة الاستقطاب الحاد وتعدد المبادرات المتضاربة، وهو ما يعني أمدًا أطول للصراع ومعاناة متفاقمة للشعب. السيناريو الثاني يتمثل في بلورة جبهة إفريقية - دولية موحدة تفرض جدولاً زمنياً صارماً لتسليم السلطة للمدنيين وإعادة هيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية بعيداً عن التدخلات السياسية. يتوقف نجاح هذا السيناريو على مدى قدرة القارة الإفريقية على تجاوز الخلافات البينية وإلزام الأطراف السودانية بالجلوس إلى طاولة مفاوضات حقيقية تستند إلى مبادئ العدالة الانتقالية وبناء دولة القانون، بما يضمن استقرار السودان وأمن الإقليم بأسره.