يشهد المشهد اليمني في الآونة الأخيرة تحولات دراماتيكية متسارعة، تنذر بالانزلاق نحو جولة جديدة من الصراع العنيف، وسط تقارير استخباراتية وميدانية تفيد بتصاعد وتيرة الاشتباكات العسكرية بين جماعة الحوثي وقوات التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، فضلاً عن الاشتباكات البينية بين مختلف التشكيلات العسكرية المحلية المتحالفة ضد الحوثيين. هذا التصعيد لا يقتصر على كونه مجرد مناوشات حدودية تقليدية، بل يمثل إعادة تموضع استراتيجي خطير تؤسس لمرحلة بالغة التعقيد، تهدد بتبديد الهدنة الهشة التي صمدت لفترات متقطعة، وتضع مستقبل البلاد على حافة الهاوية الإنسانية والاقتصادية والسياسية في آن واحد.
جذور الأزمة والخلفيات الجيوسياسية للصراع اليمني
تعود جذور الأزمة اليمنية الراهنة إلى عقود من التهميش السياسي والاقتصادي، وغياب آليات العدالة الانتقالية، وتآكل مؤسسات الدولة لصالح مراكز القوى التقليدية. إلا أن الانفجار الكبير الذي حدث في أواخر عام 2014 ومطلع عام 2015 غير وجه المنطقة بالكامل. إن تفكك المنظومة الأمنية والعسكرية الرسمية أتاح الفرصة لجماعة الحوثي للسيطرة على العاصمة صنعاء وغالبية المراكز الحضرية الكبرى في شمال وغرب البلاد. في المقابل، تشكل تحالف عربي تقوده السعودية والإمارات بدعم دولي لمواجهة هذا التمدد وإعادة الشرعية، مما خلق واقعاً من التقسيم الميداني والسياسي المعقد. ومع مرور السنوات، تحولت اليمن إلى مسرح لحرب وكالة إقليمية ودولية، تداخلت فيها الأجندات الحانقة والتقاطعات الجيوسياسية، مما جعل أي تسوية سلمية محلية أمراً بالغ الصعوبة دون توافق دولي أوسع نطاقاً.
أبعاد التصعيد العسكري الراهن ودوافع الأطراف المتنازعة
في المرحلة الراهنة، تسعى كافة الأطراف الميدانية إلى تحسين شروط التفاوض المحتملة عبر فرض واقع عسكري جديد على الأرض. تتمثل دوافع التصعيد في الرغبة المحمومة للسيطرة على الموارد الحيوية، وخاصة حقول النفط والغاز في محافظات مأرب وشبوة وحضرموت، فضلاً عن خطوط الإمداد الاستراتيجية الممتدة على طول الساحل الغربي للبلاد. كما تلعب الانقسام الحاد والتشظي داخل المعسكر المناهض للحوثيين دوراً بارزاً في إضعاف جبهة الشرعية، حيث تتقاطع أجندات المجلس الانتقالي الجنوبي المطالب بالانفصال مع توجهات الحكومة المركزية وقوى إسلامية وقبلية أخرى. هذا التقاطع المعقد يخلق بيئة خصبة لتأجيج الصراعات الجانبية وتفجر الجبهات في توقيتات حساسة، ما يعيق توحيد الجهود العسكرية والسياسية لمواجهة التمدد الحوثي، ويزيد من معاناة السكان المدنيين الذين يدفعون فاتورة هذه الصراعات باهظة الثمن.
ممر باب المندب: العصب الحساس لتجارة الطاقة والشحن العالمي
لا يمكن قراءة المشهد العسكري في اليمن بمعزل عن الجيوسياسة البحرية، وتحديداً موقع اليمن الاستراتيجي المشرف على مضيق باب المندب. يُعد هذا الممر المائي الضحيق، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، أحد أهم المضائق البحرية في العالم، حيث تمر عبره ملايين براميل النفط وسلع الشحن التجاري يومياً بين آسيا وأوروبا. إن أي توتر أمني أو عسكري في السواحل اليمنية المحاذية للمضيق يمثل تهديداً مباشراً ومزمناً للأمن القومي العالمي. وتدرك الأطراف المتنازعة، وخاصة جماعة الحوثي، القيمة الاستراتيجية الكبرى لورقة باب المندب، حيث تستخدمها كورقة ضغط سياسية واقتصادية إقليمية ودولية. إن أي اضطراب واسع النطاق يطال هذا الممر لن يقف عند حدود الإقليم، بل سينعكس فوراً وبشكل كارثي على أسعار الطاقة العالمية، ويؤدي إلى اضطرابات غير مسبوقة في سلاسل الإمداد والتوريد الدولية، مما يثير قلق القوى الكبرى عابرة المحيطات التي تمتلك قواعد ومصالح حيوية في المنطقة.
التداعيات الاقتصادية والإنسانية: فاتورة الدم والفقر
على الأرض، تنعكس هذه التحولات العسكرية كارثة إنسانية متفاقمة على الشعب اليمني الذي يعاني بالفعل من أسوأ أزمة إنسانية في العصر الحديث وفقاً لتقارير الأمم المتحدة. إن تجدد الاشتباكات يعيق وصول المساعدات الإنسانية الإغاثية إلى ملايين المحتاجين، ويزيد من موجات النزوح الداخلي نحو مناطق أقل خطورة ولكنها تفتقر إلى أبسط مقومات البقاء كالمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية والتعليم. اقتصادياً، أدى الصراع المستمر إلى تدمير البنية التحتية الأساسية، وانهيار قيمة العملة المحلية (الريال اليمني)، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة إلى مستويات قياسية غير مسبوقة. إن السيطرة المتنازع عليها على الموارد والمنافذ الجمركية والبحرية تساهم في حرمان خزينة الدولة من الإيرادات الحيوية، مما يجعل ملايين الموظفين بلا رواتب ويعمق الفجوة الغذائية ويدفع بأعداد هائلة من السكان نحو خطوط الفقر المدقع.
السيناريوهات المستقبلية والدروس المستفادة
في ظل المعطيات الراهنة، تبرز عدة سيناريوهات محتملة للمشهد اليمني:
- السيناريو الأول: انفجار عسكري واسع النطاق وعودة الحرب الشاملة على مختلف الجبهات، مما سيقضي على ما تبقى من مساعي السلام الإقليمية والدولية.
- السيناريو الثاني: حالة "لا حرب ولا سلم" مستمرة، تتخللها مناوشات متقطعة وأزمات اقتصادية متصاعدة، مع بقاء البلاد مقسمة بحكم الأمر الواقع بين عدة سلطات متصارعة.
- السيناريو الثالث: ضغط دولي وإقليمي مكثف يدفع الأطراف نحو العودة القسرية إلى طاولة المفاوضات وتثبيت هدنة طويلة الأمد تفضي إلى تسوية سياسية شاملة.