في ظل الواقع الإنساني المرير الذي يفرضه النزاع المتواصل في قطاع غزة، تبرز كارثة بيئية وصحية جديدة تعمق جراح السكان والنازحين على حد سواء. لم يعد البحر الأبيض المتوسط، الذي طالما شكّل المتنفس الطبيعي الوحيد ومصدر الرزق الأساسي لأهالي القطاع، مساحة للهدوء أو الصيد، بل تحول تدريجياً إلى بؤرة ساخنة للتلوث الخطير ومصدر تهديد مباشر للصحة العامة. إن تداخل الأزمات الإنسانية مع الانهيار البيئي الممنهج يضع مئات الآلاف من النازحين في مواجهة حتمية مع أمراض وأوبئة فتاكة، في وقت تقف فيه المنظومة الطبية عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الرعاية المطلوبة لمواجهة هذه الطوارئ الصحية المتسارعة.
انهيار البنية التحتية وشريان الصرف الصحي المقطوع
تكمن الجذور الأساسية لهذه الكارثة البيئية في التدمير الهائل والواسع النطاق الذي لحق بالبنية التحتية الحيوية في قطاع غزة، ولا سيما شبكات الصرف الصحي ومحطات معالجة المياه. مع انقطاع التيار الكهربائي الشامل ونقص الوقود الحاد، توقفت محطات التصفية الكبرى عن العمل بشكل كامل، مما أجبر الجهات المحلية على تدفق ملايين اللترات من المياه العادمة غير المعالجة يومياً بشكل مباشر نحو الشواطئ ومياه البحر الساحلية. هذا الضخ الهائل للمخلفات الآدمية والصناعية خلق بيئة كارثية أدت إلى تشبع مياه البحر بالبكتيريا والفيروسات والمواد الكيماوية السامة، مساهمة في القضاء على التوازن البيئي الدقيق للبيئة البحرية الساحلية وتدمير موائل الأسماك والكائنات البحرية التي تشكل جزءاً من الأمن الغذائي المحلي.
أخطار صحية داهمة تتربص بالأطفال وكبار السن في مخيمات النزوح
تنعكس تداعيات هذا التلوث البحري الخطير بشكل فوري ومباشر على حياة النازحين المتكدسين في الخيام والمراكز المؤقتة على طول الشريط الساحلي لقطاع غزة. ومع شح المياه النظيفة وانعدام وسائل النظافة الشخصية الأساسية، يضطر آلاف النازحين -غصباً عنها- لاستخدام مياه البحر أو المياه الملوثة لأغراض الاستحمام وغسل الملابس، مما أدى إلى انتشار واسع النطاق للأمراض الجلدية الخطيرة مثل الجرب، والتهاب العينين، والتقرحات الجلدية. كما تحذّر التقارير الطبية المتتالية من خطر تفشي الأمراض المعوية الوبائية مثل الكوليرا، والتهاب الكبد الوبائي (أ)، والنزلات المعوية الحادة، خصوصاً بين فئتي الأطفال وكبار السن اللذين يمتلكان مناعة أضعف في ظل سوء التغذية وغياب الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية.
- التدفق اليومي لملايين الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة نحو شواطئ غزة.
- انتشار الأمراض الجلدية والمعوية الحادة بين النازحين المقيمين في المخيمات الساحلية.
- شلل تام في قدرة محطات المعالجة والبلديات على احتواء الأزمة البيئية المتصاعدة.
- تراجع حاد في المخزون السمكي وتسمم الأحياء البحرية نتيجة التلوث الكيماوي والبكتيري.
ضربة موجعة للقطاع السمكي ومصادر الرزق المتهالكة
لا يقتصر أثر التلوث البحري في غزة على الجانب الصحي للنازحين فحسب، بل يمتد ليقوض ما تبقى من مقومات الاقتصاد المحلي ومصادر الرزق الهشة. فالصيد البحري، الذي يُعد المهنة التاريخية وآلاف العائلات تعتاش منه، تعرض لضربة قاضية؛ إذ أدى التلوث الساحلي الكثيف إلى هجرة الأسماك وتسمم الأنواع القريبة من الشاطئ، فضلاً عن عزوف المستهلكين عن شراء الأسماك خوفاً من التلوث. هذا الوضع دمر القوة الشرائية للصيادين وألغى مصدراً حيوياً للبروتين الحيوي الرخيص نسبياً في أسواق القطاع، مما يفاقم معدلات انعدام الأمن الغذائي ويوسع رقعة الفقر المدقع بين الأسر التي كانت تعتمد كلياً على البحر.
مسؤوليات دولية وضرورات التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه
إن مواجهة هذه الكارثة البيئية والإنسانية المتعددة الأبعاد تفرض تحركاً دولياً فورياً وجاداً يتجاوز بيانات الإدانة المعتادة. بات لزاماً على المنظمات الدولية المعنية بالبيئة والصحة، مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة الصحة العالمية، التدخل العاجل لتوريد معدات الطوارئ، ووحدات تنقية المياه المتنقلة، وقطع الغيار اللازمة لإصلاح الحد الأدنى من شبكات الصرف الصحي المتضررة. كما تتطلب المرحلة الحالية تأمين الوقود اللازم لتشغيل مضخات الصرف الصحي بعيداً عن التجمعات السكنية والشواطئ لتقليل الأضرار الكارثية. إن السكوت على هذا التدهور البيئي يعني الحكم على مئات الآلاف من البشر بمواجهة كارثة صحية طويلة الأمد ستترك ندوباً عميقة في جسد المجتمع الغزي لأجيال قادمة، مما يجعل التحرك العاجل واجباً إنسانياً لا يحتمل التأجيل.