يشهد جنوب لبنان في هذه الأثناء مرحلة من الحرج الاستراتيجي الأقصى، حيث وضعت سلسلة الغارات الجوية العنيفة التي شنها الطيران الحربي الإسرائيلي اتفاق وقف إطلاق النار الهش على حافة الانهيار الكامل. هذا التصعيد الميداني الواسع، الذي أسفر عن سقوط 13 قتيلاً في حصيلة مرشحة للارتفاع، لم يأتِ بمعزل عن سياقه السياسي والعسكري المعقد، بل يمثل تتويجاً لسلسلة طويلة من الخروقات المتبادلة والاتهامات السياسية التي طبعت المشهد منذ توقيع اتفاق التهدئة الأخير. إن هذا التدهور السريع ينذر بعودة المواجهات المفتوحة على الجبهة الجنوبية، مما يعيد شبح الحرب الشاملة ليخيم من جديد على المنطقة، وسط عجز دولي واضح عن كبح جماح التصعيد أو فرض التزام حقيقي بقواعد التهدئة.
الخلفية الجيوسياسية وسياق الانهيار الوشيك
تعود جذور اتفاق وقف إطلاق النار الحالي إلى تفاهمات هشة صيغت تحت ضغط دولي وإقليمي مكثف، بهدف احتواء الصدمة العسكرية الكبرى التي ضربت البنية التحتية والمجتمعية في جنوب لبنان. ومع ذلك، وكما كان متوقعاً من قبل العديد من المراقبين الاستراتيجيين، فإن الاتفاق افتقر إلى آليات رصد ومحاسبة صارمة وفعالة على الأرض. لقد بقيت النقاط الخلافية الجوهرية معلقة دون تسوية نهائية، وأبرزها مدى التزام الأطراف بالانسحاب الكامل، والترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، والدور المستقبلي للآليات الدولية وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل). هذا الفراغ التنفيذي والسياسي ترك الباب مصراعاً أمام التفسيرات المتباينة لبنود الاتفاق، مما جعل كل طرف يفسر الهدنة وفق مصالحه الاستراتيجية البحتة، وبالتالي مهد الطريق نحو هذا الانفجار الميداني المتجدد.
تكتيكات الميدان: إنذارات الإخلاء والعمليات الاستباقية
على الصعيد الميداني، اعتمد الجيش الإسرائيلي استراتيجية تصعيدية قائمة على ما يسمى "العمليات الاستباقية" و"إنذارات الإخلاء الواسعة النطاق". وقد طالت هذه الإنذارات عشرات القرى والبلدات في الجنوب اللبناني، مما دفع آلاف العائلات إلى موجة نزوح جديدة نحو الشمال، في مشهد يكرر م مأساة النزوح السابقة. تبرر الدوائر العسكرية الإسرائيلية هذه الضربات بوجود رصد استخباري يؤكد تحركات عسكرية لعزب الله، ومحاولات حثيثة لإعادة بناء البنية التحتية القتالية، وترميم شبكة الأنفاق، وإعادة تمركز العناصر المسلحة بالقرب من الخط الأزرق. في المقابل، يعتبر الجانب اللبناني هذه الذرائع باطلة ومجرد غطاء لتنفيذ سياسة العقاب الجماعي، وتدمير ما تبقى من مقومات الحياة المدنية والاقتصادية في القرى الحدودية، فضلاً عن كونها خرقاً سافراً للسيادة اللبنانية ولروح ونص اتفاق وقف إطلاق النار.
أبعاد الأزمة وأسبابها البنيوية
تتفرع الأزمة الحالية في جنوب لبنان إلى عدة أبعاد أساسية تعيق أي مسعى جاد للتهدئة المستدامة، ويمكن إيجازها في النقاط التالية:
- تبادل الاتهامات السياسية والميدانية: تشهد القنوات الدبلوماسية حالة من الجمود التام، يرافقها تبادل حاد للاتهامات بشأن المسؤولية القانونية والأخلاقية عن انهيار الهدنة، حيث يحمل كل طرف الآخر مسؤولية إطلاق شرارة التصعيد.
- صراع إعادة التموضع والنفوذ: تسعى إسرائيل لمنع أي محاولة من حزب الله لاستعادة توازنه العسكري أو تعويض خسائره الاستراتيجية، بينما يرى الحزب في البقاء الجاهز والتأهب الميداني حقاً مشروعاً للدفاع عن النفس في ظل استمرار الاعتداءات.
- الضغط الدبلوماسي العقيم: تعاني التحركات الدولية والإقليمية -التي تقودها أطراف غربية وعربية- من الشلل نتيجة تباين أجندات اللاعبين الدوليين وغياب الضغط الحقيقي والفاعل على تل أبيب لوقف غاراتها.
- الانهيار الإنساني والمعيشي المتفاقم: يؤدي هذا التصعيد المستمر إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، حيث تتعطل سبل العيش، وتتراجع فرص إعادة الإعمار، وتبقى مناطق الجنوب رهينة للخوف والقلق المستمر.
السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الإقليمية
مع استمرار دوامة العنف وارتفاع حصيلة الضحايا، تضيق المساحة المتاحة أمام الدبلوماسية بشكل ملحوظ. ويبرز أمام صانعي القرار سيناريوان رئيسيان؛ الأول هو احتواء محدود ومؤقت عبر ضغوط اللحظة الأخيرة التي تمارسها عواصم القرار الدولية لإعادة تفعيل الهدنة وتهدئة الخواطر، وهو سيناريو يظل هشاً وقابلاً للانهيار عند أول احتكاك ميداني مقبل. أما السيناريو الثاني، والأكثر ترجيحاً في حال غياب التدخل الحاسم، فهو الانزلاق المتدحرج نحو مواجهة عسكرية واسعة النطاق قد تتجاوز الجغرافيا اللبنانية لتشمل إقليم الشرق الأوسط بأكمله، مما يفتح الباب أمام تداعيات كارثية على الأمن والسلم الدوليين. وفي كلتا الحاسلتين، يظل المواطن اللبناني والجنوبي تحديداً هو من يدفع الثمن الأاهض من أمنه واستقراره ومستقبله.