في تقرير استقصائي واسع النطاق، سلطت صحيفة «ليبراسيون» الفرنسية الضوء على خيوط اللعبة المعقدة التي تربط بين التصعيد العسكري الأخير في الساحة اليمنية وبين التداعيات الاستراتيجية العميقة لما يُعرف بـ«الحرب الإيرانية». يأتي هذا التقرير ليؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن ما يجرى على الارض اليمنية من تطورات متلاحقة، ليس سوى حلقة في سلسلة طويلة من الصراعات بالوكالة والاشتباكات الجيوسياسية التي تعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بأكمله. إن قراءة هذا المشهد تتطلب الغوص عميقاً في تفاصيل التشابكات الإقليمية والدولية التي جعلت مناليمن مسرحاً رئيسياً لتصفية الحسابات واختبار موازين القوى الجديدة.
خلفية الصراع: كيف تتداخل الأزمات المحلية مع الطموحات الإقليمية؟
منذ اندلاع الأزمة اليمنية، ظلتالحرب في اليمن تُقرأ في كثير من الأحيان بوصفها صراعاً داخلياً بحتاً بين الأطراف المحلية المتنازعة. بيد أن التقارير الاستخباراتية والتحليلات السياسية المتقدمة، وآخرها ما جاء في صحيفة «ليبراسيون»، تؤكد أن الأبعاد الإقليمية هي التي تمنح الصراع زخمه الحالي وقدرته على الاستمرار والتأزم. إن السياسة الخارجية الإيرانية وأذرعها في المنطقة لطالما مثلت عاملاً حاسماً في توجيه دفة الأحداث، سواء عبر الدعم اللوجستي والعسكري المباشر، أو من خلال توظيف الورقة اليمنية كأداة ضغط استراتيجية في المفاوضات الكبرى مع القوى الغربية والإقليمية.
تُظهر القراءة التاريخية للتوترات أن الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة تعتمد بشكل أساسي على خلق مناطق نفوذ واستنزاف لخصومها التقليديين، وفي مقدمتهم التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن بقيادة المملكة العربية السعودية. هذا النهج أدى بمرور الوقت إلى تحويل السواحل اليمنية وطرق الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن إلى نقاط توتر ساخنة، تهدد الأمن القومي العربي العالمي وتؤثر بشكل مباشر على حركة التجارة الدولية، مما جعل المجتمع الدولي يقف عاجزاً أمام تفاقم هذه الأزمات المتتالية.
تفكيك أبعاد الواقعة: قراءة في تقرير «ليبراسيون» الفرنسية
توقف تقرير «ليبراسيون» مطولاً عند الكيفية التي أدت بها التطورات العسكرية الأخيرة المتعلقة بإيران إلى إحداث هزة ارتدادية قوية في اليمن. ولم يعد خفياً على المحللين أن الضربات المتبادلة والتوترات الدبلوماسية والعسكرية في الإقليم تنعكس فوراً على الميدان اليمني، إما عبر تصعيد في الجبهات الداخلية أو من خلال هجمات بالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية تستهدف البنى التحتية وخطوط الملاحة. ويشير التقرير إلى أن:
- ارتباط المسارات: هناك تطابق شبه تام بين أوقات الذروة في المواجهات الإقليمية وتصاعد العمليات العسكرية الميدانية في مختلف المحافظات اليمنية.
- توسيع نطاق الصراع: التحولات الأخيرة تؤكد أن الجغرافيا اليمنية باتت تستخدم كمنصة متقدمة لتوسيع نطاق الاشتباك الإقليمي، مما يهدد بإطالة أمد الحرب وتعقيد الحلول السلمية.
- إعادة صياغة التحالفات: فرضت هذه الظروف واقعاً جديداً اضطرت فيه القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والعسكرية في المنطقة برمتها.
- الضغط الاقتصادي العالمي: تحول أمن الملاحة في البحر الأحمر إلى ورقة ضغط استراتيجية تُستخدم لخدمة أجندات أوسع نطاقاً، متجاوزة المطالب المحلية للأطراف اليمنية المتنازعة.
التداعيات المستقبلية والسيناريوهات المحتملة للسلام المتعثر
إن إدراك حقيقة الارتباط العضوي بين التصعيد اليمني والصراع الإقليمي الأوسع يفرض على صناع القرار الدوليين مقاربة مختلفة تماماً لملف الأزمة اليمنية. فالتجارب السابقة أثبتت أن محاولات التوصل إلى تسوية سلمية بمعزل عن معالجة الأسباب الجذرية للصراع الإقليمي ستظل محكومة بالفشل. إنالسلام في اليمن لا يمكن أن يُبنى على رمال مبنية من الهدن الهشة والحلول الترقيعية التي تعالج الأعراض وتتجاهل المرض الأساسي.
تشير السيناريوهات المستقبلية إلى أن استمرار حالة «لا سلم ولا حرب» في اليمن يخدم أجندات قوى معينة تسعى لإبقاء المنطقة في حالة استنزاف مستمر. وفي المقابل، فإن أي اختراق دبلوماسي حقيقي على صعيد العلاقات الإقليمية قد ينعكس إيجاباً وبشكل فوري على الداخل اليمني، ممهداً الطريق لحوار وطني شامل يضع مصالح الشعب اليمني فوق أي اعتبارات حزبية أو إقليمية ضيقة.
رؤية استشرافية: نحو مقاربة شاملة لأمن المنطقة
في الختام، يضعنا تقرير صحيفة «ليبراسيون» أمام مسؤولية تاريخية وأخلاقية تتطلب تجاوز الحلول التقليدية السطحية. إن أمن واستقرار اليمن جزء لا يتجزأ من أمن الاستقرار الإقليمي والعالمي، ولا يمكن فصل أزماته الإنسانية والاقتصادية عن سياقها الجيوسياسي الأوسع. إن المجتمع الدولي ومجلس الأمن ودول القرار مطالبون اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، بصياغة استراتيجية شاملة لا تكتفي بوقف إطلاق النار المؤقت، بل تمتد لتجفيف منابع التوتر الإقليمي، وإلزام كافة الأطراف باحترام سيادة الدول ووحدتها، وفتح آفاق حقيقية للتنمية والبناء، لكي يعود اليمن السعيد واحة للأمن والاستقرار بعيداً عن أتون الصراعات بالوكالة والحروب المدمرة.