بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لا تزال تداعيات ذلك اليوم تشكل مفصلاً معقداً في التاريخ المعاصر. وفي مقال تحليلي بارز نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية، يفتح الكاتب مايكل هيرش الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة الرد الأمريكي الذي تلا الكارثة، معتبراً أن الأزمة الحقيقية لم تكن في الهجمات وحدها، بل في السياسات والخيارات الإستراتيجية العتيقة التي تبنتها الإدارات المتعاقبة في واشنطن على مدار ربع قرن كامل.
السياق والخلفية: كيف أهدرت واشنطن فرصة القضاء المبكر على القاعدة؟
يعود المقال إلى تفاصيل المرحلة التي أعقبت انهيار برجي مركز التجارة العالمي، موضحاً أن تنظيم القاعدة كان في فترتها الأولى محاصراً ويعيش حالة من التخبط الداخلي في معاقله الوعرة. ومع ذلك، عوضاً عن حصر المعركة في إطارها المحدود لملاحقة المسؤولين المباشرين، اتخذت القيادة السياسية قراراً مصيرياً بتوسيع نطاق المواجهة. وقد أدى الخلط بين أطراف إقليمية متعددة وعدم دقة تقدير حجم التهديد الحقيقي إلى الدخول في حروب مكلفة استنزفت الموارد البشرية والمالية للولايات المتحدة دون طائل.
التفاصيل والتداعيات: أخطاء فادحة وإستراتيجيات عسكرية مربكة
- التحول نحو العراق: يعتبر المقال أن غزو العراق شكّل الخطأ الأكبر، لعدم وجود صلة تنظيمية مباشرة بين بغداد وهجمات سبتمبر، وهو ما أسفر عن خلق بيئة خصبة لظهور كيانات متطرفة جديدة وتعزيز النفوذ الإقليمي لخصوم واشنطن.
- المبالغة في تقدير الخطر: تشير الوثائق والمراجعات التاريخية إلى أن التنظيم لم يكن يمتلك خططاً استراتيجية بعيدة المدى، مما يعني أن رد الفعل الأمريكي أسهم في تحويل خطر محدود إلى تحدٍّ وجودي ضخم.
- تكلفة الحروب الطويلة: أدى الانشغال بالعمليات العسكرية المستمرة إلى تراجع التركيز الإستراتيجي على منافسين دوليين كبار استغلوا الانشغال الأمريكي لتعزيز قوتهم ونفوذهم الجيوسياسي.
ماذا يعني ذلك؟ خسائر غير مبررة وفرص ضائعة
تكمن المفارقة التاريخية التي يطرحها التحليل في أن زعيم القاعدة، رغم قدراته المحدودة، استطاع بطريقة غير مباشرة تحقيق جزء من أهدافه عبر جر الولايات المتحدة إلى مستنقع الاستنزاف طويل الأمد. هذا الواقع يضع السياسة الخارجية الأمريكية أمام مرآة الحقيقة؛ حيث نجحت تكتيكياً في تحييد بعض الأخطار، لكنها أخفقت إستراتيجياً في تقييم الموقف بموضوعية، مما أدى إلى تراجع المكانة الأخلاقية والسياسية للبلاد على المسرح الدولي.