في خطوة تحمل دلالات استراتيجية وعسكرية بالغة الخطورة، اختار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قمم جبل الشيخ في الجولان السوري المحتل منصةً لإطلاق تهديدات غير مسبوقة، مستهدفاً بها طهران وحلفاءها في المنطقة. لم تكن هذه الزيارة مجرد جولة تفقدية روتينية، بل جاءت في توقيت جيوسياسي بالغ الحساسية، حيث تسعى تل أبيب إلى إعادة رسم قواعد الاشتباك في الجبهة الشمالية، مستغلة حالة التفكك والاضطراب التي تعاني منها الأطراف الإقليمية المناوئة لها.
جغرافيا التهديد: لماذا جبل الشيخ؟
يُعد جبل الشيخ (أو جبل حرمون) نقطة استراتيجية حاكمة، حيث يطل على مساحات شاسعة من الأراضي السورية واللبنانية، ويمثل عقدة ربط أمنية وعسكرية بالغة الأهمية. اختيار نتنياهو لهذا الموقع تحديداً لإلقاء خطابه يحمل رسالة رمزية وعملياتية؛ فهو يؤكد سيادة إسرائيل على المرتفعات التي احتلتها عام 1967، ويضع القوات الإسرائيلية في حالة تأهب قصوى لرصد أي تحركات في العمق السوري. إن التواجد العسكري المكثف في هذه النقطة يعني تحويل الجولان إلى قاعدة انطلاق متقدمة لعمليات استخباراتية وعسكرية قد تتجاوز حدود الردع التقليدي إلى العمليات الهجومية الاستباقية.
استراتيجية "الضغط الأقصى" وتفكيك المحور
في تصريحاته، لم يكتفِ نتنياهو بالتلويح بالقوة، بل تحدث بلغة الواثق من قرب انهيار ما أسماه بـ "الجمهورية الإسلامية وحلفائها". هذا الخطاب يعكس تحولاً في العقيدة العسكرية الإسرائيلية من "إدارة الصراع" إلى "حسم الصراع". يرى المحللون أن هذا التصعيد يهدف إلى استنزاف الموارد الإيرانية في سوريا ولبنان، ومحاولة دفع الأطراف الإقليمية إلى زاوية ضيقة، معتمداً على الغطاء السياسي الغربي، وتحديداً الأمريكي، الذي يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للمناورة في ظل غياب توازن قوى إقليمي رادع.
تعهدات كاتس: احتلال دائم أم رسالة ردع؟
تزامن تصريح نتنياهو مع تأكيدات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي شدد على ضرورة البقاء الدائم في المناطق الحساسة على الحدود الشمالية. هذا التوجه يثير تساؤلات حول النوايا الإسرائيلية طويلة الأمد: هل تسعى تل أبيب لإنشاء منطقة عازلة دائمة داخل الأراضي السورية؟ إن الإصرار على السيطرة الأمنية المشددة يعني أن إسرائيل لم تعد تكتفي بالضربات الجوية المتقطعة، بل انتقلت إلى مرحلة التواجد الميداني المباشر، وهو ما قد يفتح الباب أمام مواجهات احتكاك بري لم تشهدها المنطقة منذ عقود.
تداعيات التصعيد على الجوار السوري واللبناني
لا يمكن فصل هذا التحرك عن المشهد اللبناني المتأزم. فالتصعيد في الجولان يهدف إلى شل قدرة دمشق على دعم حلفائها في لبنان، وخلق حالة من الترقب الأمني الدائم. إن التداعيات المحتملة لهذا التوتر تشمل:
- تصاعد وتيرة الضربات الجوية: استهداف مستمر للبنية التحتية العسكرية في محيط دمشق والقنيطرة.
- تغيير ديموغرافي وأمني: محاولة إسرائيلية لفرض واقع جديد يمنع أي وجود عسكري غير رسمي بالقرب من خطوط وقف إطلاق النار.
- تأثير على الاستقرار الإقليمي: زيادة احتمالية اندلاع مواجهة شاملة غير محسوبة العواقب نتيجة خطأ في التقدير الميداني.
- ضغط على النظام السوري: وضع دمشق أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الانخراط في مواجهة غير متكافئة أو التزام الصمت الذي قد يفسره الداخل السوري كضعف.
سيناريوهات المستقبل: إلى أين تتجه البوصلة؟
إن المشهد الحالي يشير إلى أن المنطقة دخلت مرحلة "كسر العظم". إسرائيل تراهن على أن التحديات الداخلية التي تواجهها طهران وحلفاؤها ستجعلهم غير قادرين على الرد بشكل واسع، بينما يرى الطرف الآخر أن هذه التهديدات هي محاولة يائسة من نتنياهو لترميم صورته المهزوزة داخلياً. إن الدروس المستفادة من التاريخ القريب تؤكد أن أي تصعيد في الجولان لا يبقى محصوراً في الجغرافيا السورية، بل يمتد تأثيره ليشمل أمن الطاقة العالمي، وحركة الملاحة، واستقرار الأنظمة السياسية في دول الطوق. في الختام، يبقى السؤال الجوهري: هل ستنجح إسرائيل في فرض رؤيتها الأمنية، أم أن هذا التصعيد سيؤدي إلى انفجار إقليمي يغير موازين القوى بشكل لا يمكن التنبؤ به؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بكشف مدى جدية هذه التهديدات، وما إذا كانت مجرد استعراض قوة أم مقدمة لحرب واسعة النطاق.