في خطوة تعكس عمق التحولات الجيوسياسية وتصدع النظام الدولي التقليدي، أصدرت كل من روسيا، والصين، وإيران بياناً مشتركاً وُصف بالتاريخي، أعلنت فيه رفضها القاطع والمطلق لمشروع القرار الغربي المطروح أمام مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. هذا البيان لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل جاء ليؤكد تشكيل جبهة صلبة تقف حائط صد أمام محاولات الهيمنة الأحادية الغربية، لا سيما في ملف حساس كالملف النووي الإيراني الذي يشكل بؤرة صراع محورية في الشرق الأوسط والعالم.
الخلفية التاريخية والجيوسياسية: صراع الهيمنة في الوكالة الذرية
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عقود من الشد والجذب بين إيران والمجتمع الدولي، وتحديداً الدول الغربية المتمثلة في الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا). لقد شهدت أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا على مدار السنوات الماضية صراعات مريرة حول طبيعة البرنامج النووي الإيراني. وفي حين تُصر طهران على سلمية برنامجها وحقها المشروع في التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية بموجب معاهدة عدم الانتشار (NPT)، يرى الغرب أن الأنشطة الإيرانية تجاوزت الحد المسموح به وتقترب بشكل خطير من عتبة التسلح النووي.
التدخل المشترك لكل من موسكو وبكين إلى جانب طهران يعيد للأذهان تشكيل التحالفات الكبرى على غرار مرحلة الحرب الباردة ولكن بصيغة متعددة الأقطاب. فمن منظور روسيا، التي تعاني أصلاً من عقوبات غربية غير مسبوقة بسبب حربها في أوكرانيا، ومنظور الصين الصاعدة اقتصادياً وعسكرياً، يشكل الضغط الغربي على إيران حلقة في سلسلة استهداف أوسع تهدف إلى تقويض أي قوة إقليمية أو دولية تقف في وجه النظام الدولي الذي تقوده واشنطن. لذلك، فإن الدفاع عن طهران في المحافل الدولية هو دفاع استراتيجي عن النظام العالمي المتعدد الأقطاب الذي تسعى موسكو وبكين لترسيخه.
تفكيك أبعاد البيان المشترك ودوافعه القانونية والسياسية
حمل البيان الثلاثي لهجة شديدة الصرامة، حيث وصف المشروع الغربي بأنه "خطوة مسيسة وفاقدة للشرعية القانونية والدولية". ويهدف هذا التوصيف إلى تفكيك المسوغات القانونية التي تحاول الدول الغربية التمسك بها لإحالة الملف إلى مجلس الأمن الدولي لفرض حزمة جديدة من العقوبات الدولية.
تستند موسكو وبكين وإيران في موقفها إلى حجج قانونية وفنية قوية، تتمثل في الآتي:
- التعاون المستمر والمثبت تقنياً بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن الأطر المتفق عليها، رغم وجود بعض الخلافات الفنية العالقة.
- غياب الدلائل القاطعة التي تثبت انحراف البرنامج الإيراني نحو الأغراض العسكرية بشكل يبرر التصعيد الأممي.
- استغلال الدول الغربية للمنظمات الدولية كأدوات ضغط سياسي ودبلوماسي لتحقيق أجندات جيوسياسية خاصة، بعيداً عن المعايير المهنية البحتة للوكالة.
- رفض مبدأ "العقوبات الاستباقية" والأحكام الأحادية التي تُتخذ بمعزل عن التوازنات الدولية الحقيقية في مجلس الأمن حيث تمتلك روسيا والصين حق النقض (الفيتو).
التداعيات المحتملة على الأمن الإقليمي والدولي
إن إصرار الدول الغربية على المضي قدماً في مشروع القرار رغم الرفض الروسي والصيني الصريح ينذر بتداعيات كارثية على استقرار الدبلوماسية الدولية. إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن لن تزيد الأمور إلا تعقيداً، بل ستدفع طهران نحو خطوات تصعيدية ميدانية غير مسبوقة، مثل تقليص التعاون مع مفتشي الوكالة بشكل جذري، أو الانسحاب الكلي من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
على الصعيد الإقليمي، يتزامن هذا التصعيد مع توترات غير مسبوقة في منطقة الشرق الأوسط، مما يرفع احتمالات انزلاق الأوضاع نحو مواجهة شاملة يصعب احتواؤها. إن غياب القنوات الدبلوماسية الفاعلة والثقة المتبادلة بين واشنطن وعواصم القرار في طهران وموسكو وبكين يجعل المنطقة على صفيح ساخن، حيث تتقاطع المصالح وتتعدد الجبهات المشتعلة من غزة ولبنان وصولاً إلى الخليج العربي.
سيناريوهات المستقبل: هل تفشل الدبلوماسية كلياً؟
تضعنا الأزمة الراهنة أمام مفترق طرق خطير. السيناريو الأول يتمثل في تصعيد غير محسوب تُقدم عليه إسرائيل بدعم غربي، أو لجوء غربي لآلية "سناب باك" (Snapback) لإعادة فرض جميع عقوبات الأمم المتحدة على إيران تلقائياً، وهو ما سترد عليه طهران بحرق مراكب التسوية الدبلوماسية بالكامل. أما السيناريو الثاني، فهو استمرار حالة الجمود الدبلوماسي مع إدارة صراع مدارة بعناية من قبل روسيا والصين لمنع انهيار إيران اقتصادياً وسياسياً عبر تعزيز اتفاقيات الشراكة الاستراتيجية الشاملة.
في الخلاصة، يمثل البيان المشترك لموسكو وبكين وطهران محطة مفصلية في تاريخ العلاقات الدولية المعاصرة، مؤكداً أن عصر الأقطاب الأحادية قد أفل بلا رجعة. وإن أي محاولة غربية لتجاوز هذه القوى الكبرى في الملفات الحساسة ستواجه بجدار صلب من الرفض، مما ينذر بعالم أكثر استقطاباً وأقل استقراراً.