في خطوة تحمل دلالات استراتيجية عميقة، خرج المدير العام لجهاز المخابرات العامة في السودان، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، عن صمته المعهود ليضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بالتعقيدات التي تكتنف المشهد السوداني الراهن. تصريحات مفضل لم تكن مجرد إحاطة أمنية روتينية، بل جاءت بمثابة كشف حساب للمحور الخارجي الذي اتهمه بالضلوع المباشر في إطالة أمد الصراع، مؤكداً في الوقت ذاته أن السودان، رغم جراحه، يمد يده لحوار إقليمي مسؤول، لكنه حوار لا يقبل المساومة على السيادة الوطنية.
خلفية الصراع: حينما تتحول الجغرافيا إلى ساحة لتصفية الحسابات
لا يمكن فهم تصريحات أحمد إبراهيم مفضل بمعزل عن السياق الجيوسياسي المتفجر الذي يعيشه السودان منذ منتصف أبريل 2023. فالسودان، بموقعه الاستراتيجي الذي يربط بين القرن الأفريقي والساحل والصحراء، تحول إلى نقطة جذب لتقاطعات المصالح الدولية والإقليمية. تشير التقارير الاستخباراتية والتحليلات السياسية إلى أن الحرب الدائرة ليست مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هي انعكاس لصراع نفوذ إقليمي ودولي يسعى لإعادة تشكيل خارطة التحالفات في المنطقة. إن اتهام مفضل للمحور الخارجي بـ "المأجور" يعكس قناعة المؤسسة الأمنية السودانية بأن هناك أطرافاً إقليمية استثمرت في الفوضى لخدمة أجندات جيوسياسية ضيقة، مما جعل من السودان ساحة لحروب الوكالة التي تستنزف مقدرات الدولة وتدمر نسيجها الاجتماعي.
المحور الخارجي: أدوات التأجيج ودوافع الاستمرار
تتمحور رؤية جهاز المخابرات السوداني حول حقيقة أن استمرار الحرب ليس نابعاً من قوة عسكرية ذاتية للطرف المتمرد فحسب، بل من دعم لوجستي واستخباراتي وتقني خارجي مستمر. يوضح أحمد إبراهيم مفضل أن هذا الدعم يتخذ أشكالاً متعددة، منها:
- الدعم التسليحي النوعي: إمدادات عسكرية متطورة تصل عبر حدود رخوة، تهدف إلى إحداث اختلال في موازين القوى على الأرض.
- الحرب السيبرانية والإعلامية: توظيف منصات إعلامية ومراكز دراسات ممولة خارجياً لتزييف الحقائق وتأليب الرأي العام الدولي ضد مؤسسات الدولة الشرعية.
- التمويل المالي المباشر: ضخ سيولة نقدية عبر شبكات غسيل أموال معقدة لضمان استمرار تدفق المرتزقة والمقاتلين الأجانب.
هذا المثلث (السلاح، الإعلام، المال) هو ما يشير إليه مفضل بـ "المحور المأجور"، وهو ما يفسر لماذا فشلت كل محاولات التهدئة السابقة؛ لأن القرار لم يعد بيد الفاعلين المحليين وحدهم، بل أصبح رهينة لأجندات عواصم إقليمية تسعى لفرض واقع جديد يخدم مصالحها الاستراتيجية.
الهواجس الثلاثة: قراءة في العقل الأمني السوداني
كشف أحمد إبراهيم مفضل عن وجود 3 هواجس رئيسية تؤطر الموقف الأمني والسياسي للخرطوم تجاه محيطها الإقليمي، وهي هواجس تعكس عمق التحدي الذي تواجهه الدولة:
- خطر التفتيت الجغرافي: تخشى الخرطوم من أن تؤدي التدخلات الخارجية إلى خلق مناطق نفوذ مفككة، مما يمهد الطريق لسيناريوهات التقسيم التي تخدم قوى دولية لا ترغب في وجود دولة سودانية قوية وموحدة.
- تهديد الأمن القومي العربي والأفريقي: يرى مفضل أن انهيار الدولة السودانية سيخلق فراغاً أمنياً ستملؤه التنظيمات الإرهابية وشبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، مما سيجعل من السودان بؤرة تصدير لعدم الاستقرار إلى دول الجوار.
- التدخل في القرار السيادي: يرفض جهاز المخابرات أي مساعٍ خارجية تحاول فرض حلول سياسية مفصلة على مقاسات القوى الدولية، مؤكداً أن الحل يجب أن يكون سودانياً خالصاً ينبع من إرادة الشعب ومؤسساته الوطنية.
الانفتاح المشروط: دبلوماسية الأمن في مواجهة العزلة
رغم النبرة الحادة تجاه المحور الخارجي، قدم أحمد إبراهيم مفضل رؤية استشرافية تقوم على الانفتاح المشروط. هذا الانفتاح ليس ضعفاً، بل هو استراتيجية "دبلوماسية أمنية" تهدف إلى:
- تحييد دول الجوار التي قد تكون تعرضت لتضليل إعلامي أو ضغوط دولية.
- فتح قنوات اتصال مباشرة مع العواصم الإقليمية لتوضيح الحقائق الميدانية بعيداً عن تقارير المنظمات الدولية المسيسة.
- التمييز بين دول الجوار التي تحترم سيادة السودان وتلك التي تورطت في دعم التمرد، والتعامل مع كل طرف وفقاً لمبدأ المعاملة بالمثل.
هذه الرؤية تعكس تحولاً في الخطاب الرسمي من الدفاع السلبي إلى الهجوم الدبلوماسي الاستباقي، حيث يسعى السودان إلى إعادة بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بدلاً من التبعية للمحاور التي أثبتت التجربة أنها لا تضمر للسودان خيراً.
خاتمة: استشراف المستقبل بين مطرقة التدخل وسندان السيادة
في الختام، يمثل تصريح المدير العام لجهاز المخابرات العامة السوداني نقطة تحول في إدارة الأزمة. إن الرسالة التي أراد أحمد إبراهيم مفضل إيصالها للمجتمع الدولي والإقليمي واضحة: السودان يمتلك من القدرة الاستخباراتية والسياسية ما يؤهله لكشف الأوراق الخفية، وأن مرحلة الصمت قد انتهت. إن المستقبل يتوقف على مدى قدرة الدولة السودانية على تحويل هذا الخطاب إلى واقع ملموس عبر تعزيز الجبهة الداخلية، وتفكيك شبكات التآمر الخارجي، والتمسك بالثوابت الوطنية. إن الطريق نحو السلام لن يكون مفروشاً بالورود، لكنه يبدأ من الإدراك العميق بأن السيادة الوطنية ليست قابلة للتفاوض، وأن أي حوار إقليمي يجب أن يبدأ من احترام إرادة الشعب السوداني وحقه في تقرير مصيره بعيداً عن إملاءات المحاور المأجورة.