يجد الاقتصاد اللبناني نفسه اليوم في عين العاصفة، رهينةً لتصعيد عسكري مستمر وتوترات ميدانية متسارعة تكاد تقضي على ما تبقى من مقومات الصمود المالي والنقدي في البلاد. وفي وقت تتعالى فيه الأصوات المحلية والدولية المحذرة من كارثة هيكلية شاملة، يواصل الجيش الإسرائيلي شن غارات مكثفة ومتتالية على عدة بلدات وقرى في جنوب لبنان، متجاهلاً بشكل صارخ التحذيرات الرسمية الصادرة عن قيادة الجيش اللبناني بشأن التداعيات الكارثية لهذا التصعيد المباشر على مسار اتفاق الإطار ومستقبل الاستقرار الاقتصادي العام. وتأتي هذه التطورات الميدانية البالغة الخطورة بالتزامن مع ارتفاع مفجع في حصيلة الضحايا المدنيين والعسكريين، حيث سُجل مقتل 29 شخصاً منذ يوم الجمعة الماضي، في مشهد إنساني واقتصادي يزيد من أعباء دولة تعاني أصلاً من ويلات انهيار مالي غير مسبوق وتآكل حاد في قدراتها المؤسساتية والخدمية وسط تنديد أممي ودولي واسع ومتصاعد.
السياق والخلفية الاقتصادية: انهيار متواصل وتدمير ممنهج للبنية التحتية
لا يمكن قراءة الأحداث الميدانية الراهنة بمعزل عن الأزمة الهيكلية العميقة التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني منذ أواخر عام 2019. فقد وجه هذا التصعيد العسكري الأخير ضربة قاصمة ومتعمدة للقطاعات الإنتاجية والحيوية الأساسية في البلاد، وعلى رأسها القطاع الزراعي والتجاري والصناعي في الجنوب والبقاع وضواحي العاصمة. إن جنوب لبنان يشكل سلة غذائية استراتيجية ورئة اقتصادية هامة عبر أنشطته الزراعية المكثفة وتجاره المحلية الحدودية، ومع استمرار القصف وتدمير الأراضي الزراعية وحرق بساتين الزيتون والحمضيات، تتعرض سبل عيش مئات الآلاف من العائلات للتبدد التام. يأتي هذا في وقت يعاني فيه النظام المصرفي من شلل شبه تام، وانعدام الثقة بالعملة الوطنية، وتراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي، مما يجعل أي مساعٍ إقليمية ودولية لدعم الاستقرار المالي والنقدي المتردي تقف عاجزة أمام فداحة الخسائر الميدانية المباشرة وغير المباشرة.
الأبعاد والتداعيات الميدانية: 8 آلاف خرق تهدد استقرار الأسواق
تكشف الأرقام والتقارير الاستخباراتية والميدانية الصادرة عن المؤسسات العسكرية الرسمية عن حجم الهوة السحيقة التي تهدد الأمن القومي والاقتصادي اللبناني؛ فقد رصد الجيش اللبناني نحو 8 آلاف خرق لاتفاق الإطار والقرارات الدولية ذات الصلة، وهو رقم صادم يعكس حجم التهديد المستمر والممنهج للبنية التحتية، وشبكات الطرق، والجسور، والمؤسسات التجارية، والاستثمارات المحلية الفردية والجماعية. إن هذا الكم الهائل من الخروقات لا يقتصر تأثيره على الجانب الأمني فحسب، بل يمتد ليضرب في عمق البيئة الاستثمارية، حيث تُحجم رؤوس الأموال المحلية والمغتربة عن ضخ أي أموال جديدة في السوق اللبنايني المتهالك. وإلى جانب ذلك، فإن ارتفاع حصيلة الضحايا إلى 29 قتيلاً في موجة التصعيد الأخيرة يضيف أعباء إنسانية وطبية هائلة على عاتق مستشفيات الجنوب والدولة، التي تفتقر أصلاً إلى أبسط المقومات التشغيلية والأدوية المزمنة والمستلزمات الطبية الطارئة.
الحراك الدبلوماس والتحركات الدولية: أمل معقود على قمة روما
في محاولة حثيثة لاحتواء هذا الانفجار الميداني والاقتصادي الوشيك، تجري على قدم وساق استعدادات دبلوماسية مكثفة لعقد جولة مفاوضات موسعة في العاصمة الإيطالية روما، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية وازنة. تهدف هذه المفاوضات العاجلة إلى بحث سبل صارمة لاحتواء الأزمة الحالية، وتخفيف حدة التوترات العسكرية المتصاعدة على الحدود الجنوبية، وإيجاد آليات سريعة لحماية اتفاق الإطار من الانهيار التام. وتؤكد الدوائر الدبلوماسية أن اجتماع روما يمثل نافذة أمل ضيقة ولكنها حاسمة لمنع انزلاق الأوضاع نحو مواجهة أوسع قد تأكل ما تبقى من البنية التحتية اللبنانية. ومع ذلك، ترتبط نجاحات هذه الجهود بمدى رغبة الأطراف الدولية الضاغطة في إلزام إسرائيل بوقف عملياتها العدوانية، خصوصاً في ظل التنديد الأممي المتصاعد بالعمليات العسكرية وتأثيراتها المدمرة على سبل العيش والاستقرار الإقليمي بأسره.
ماذا يعني ذلك لمستقبل الاستثمار وخطة الإنقاذ؟
تعني هذه التطورات الميدانية المتسارعة والخطيرة دخول الاقتصاد اللبناني مرحلة حرجة وغير مسبوقة تهدد بتعطيل أي خطط إنقاذ مستقبلية، سواء تلك المتعلقة بصندوق النقد الدولي أو برامج الدعم العربي والدولي لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة. إن حالة عدم اليقين السائدة تجعل المستثمرين والأسواق المحلية في حالة ترقب وقلق شديدين، حيث يهرب المستهلكون والمستثمرون نحو الدولرة الكاملة أو تجميد الأنشطة التجارية تماماً. وعليه، فإن مستقبل البلاد بات معلقاً على حبل سري دقيق محكوم بما ستسفر عنه المفاوضات الدولية المقبلة في روما من ضمانات حقيقية تعيد ترميم الثقة المهدمة، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني والاقتصادي الذي طال انتظاره.