في العصر الرقمي المتسارع، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ للترفيه والتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى ساحات تأثير كبرى تعيد صياغة مفاهيم الحياة اليومية للجمهور، وعلى رأسها الصحة العامة والتغذية. وفي هذا السياق، كشفت دراسة علمية حديثة عن أبعاد مقلقة لآليات عمل الخوارزميات الرقمية، لا سيما على منصات شهيرة مثل «تيك توك» (TikTok) و«إنستغرام» (Instagram)، حيث ثبت تورط هذه الأنظمة التقنية في الترويج الواسع لنصائح ومعلومات غذائية مضللة وخطيرة.
تشير الدراسة إلى أن التصميم الأساسي لهذه التطبيقات يعتمد على تعظيم التفاعل وزيادة مدة بقاء المستخدم على المنصة (Engagement-Driven Algorithms)، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى تفضيل المحتوى الصادم، المبالغ فيه، أو الذي يلامس المخاوف الجوهرية للآدميين، مثل الرغبة في الحصول على المظهر المثالي السريع. هذا التوجيه الخوارزمي الممنهج خلق بيئة خصبة لانتشار «الخرافات الصحية» والنصائح العشوائية التي يطلقها مؤثرون لا يملكون أي سند علمي أو أكاديمي معتمد في مجالات التغذية أو الطب البشري.
اقتصاد الانتباه والخوارزميات: كيف يُباع الوهم الغذائي؟
تعتمد خوارزميات الذكاء الاصطناعي على تحليل سلوك المستخدمين بدقة متناهية؛ فبمجرد أن يتوقف المستخدم ثوانٍ معدودة أمام مقطع يتحدث عن «تنظيف السموم السريع» (الديتوكس) أو «خسارة الوزن الجذري في أسبوع»، تسارع الخوارزمية لضخ آلاف المقاطع المشابهة في جدوله اليومي (For You Page). هذا الاقتصاد القائم على الانتباه لا يكترث البتة بصحة المضمون العلمي، بل يركز حصرياً على مقاييس الإعجاب والمشاركة والتعليقات.
وفي تصريحات رسمية لعدد من خبراء الصحة العامة وأخصائيي التغذية، تم التأكيد على أن هذا المحتوى المضلل لا يقف عند حد تقديم معلومات خاطئة، بل يتجاوز ذلك ليفرض أنماطاً استهلاكية خطيرة تتضمن شراء مكملات غذائية غير مرخصة، أو اتباع أنظمة حمية قاسية (Crash Diets) تحرم الجسم من العناصر الأساسية. وقد حذرت منظمات صحية دولية وبيانات رسمية من أن هذه الممارسات تؤدي على المدى الطويل إلى اضطرابات خطيرة في الأكل، مثل الشره المرضي وفقدان الشهية العصبي، فضلاً عن إلحاق أضرار بالغة بأعضاء حيوية كالكبد والكلى نتيجة تناول أعشاب ومكملات دون إشراف طبي.
التداعيات النفسية والاجتماعية لسطوة المظهر المثالي
لا تقتصر أضرار الخوارزميات الغذائية على الجانب الفيزيولوجي أو العضوي فحسب، بل تمتد لتطال البنية النفسية للمستخدمين، وتحديداً الفئات العمرية الناشئة مثل المراهقين والشباب. إن الربط المستمر بين «الصحة العافية» و«النحافة المطلقة» أو «المظهر الجمالي النمطي» يولد ضغوطاً نفسية هائلة ومزمنة.
تتضمن أبرز التداعيات النفسية المسجلة:
- ارتفاع معدلات الإصابة بالقلق الصحي (Health Anxiety) والوسواس القهري المرتبط بنوعية الطعام (Orthorexia).
- تشوه الصورة الذاتية للجسم، والشعور الدائم بالدونية والقصور لدى المتابعين عند مقارنة واقعهم بالصور والفيديوهات المعدلة دیجیتياً.
- الوقوع في فخ العزلة الغذائية، حيث يمتنع الأفراد عن مشاركة الوجبات الاجتماعية خوفاً من كسر القواعد الصارمة التي فرضتها «تريندات» السوشيال ميديا.
- فقدان الثقة في الإرشادات الطبية الرسمية لصالح «خبراء الإنترنت» الوهميين الذين يستخدمون لغة تسويقية براقة ومقنعة.
غياب الرقابة وتحديات السياسات الرقمية للمنصات
تطرح هذه الظاهرة تساؤلات قانونية وأخلاقية كبرى حول مسؤولية شركات التكنولوجيا الكبرى (Big Tech) عن المحتوى المنشور على منصاتها. ورغم المحاولات الخجولة لبعض المنصات في وضع إشعارات تحذيرية أسفل بعض المقاطع التي تتناول اضطرابات الأكل، إلا أن هذه الإجراءات تبدو غير كافية بالمرة بالنظر إلى حجم وطوفان المحتوى المضلل المتدفق على مدار الساعة.
يؤكد باحثون في سياسات الإنترنت أن شركات مثل «بايت دانس» (المالكة لتيك توك) و«ميتا» مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى بإعادة هندسة خوارزمياتها لتعطي الأولوية للمحتوى الموثوق والمجاز من المؤسسات الصحية الرسمية (مثل منظمة الصحة العالمية وزارات الصحة الوطنية). كما تدعو المنظمات الحقوقية والمجتمعية إلى سن تشريعات قانونية صارمة تجرم الترويج لعلاجات أو حميات وهمية قد تمس بصحة المواطنين، وفرض غرامات مالية باهظة على المنصات التي تقاعست عن إزالة المحتوى الضار.
استشراف المستقبل: نحو مناعة رقمية ووعي غذائي
في ظل هذا الواقع المعقد، يبدو أن المعركة ضد التضليل الغذائي الرقمي لن تكون سهلة ولا قصيرة المدى. إن مواجهة هذا التحدي تتطلب استراتيجية وطنية وعالمية شاملة تقوم على مفهوم «المناعة الرقمية» وتطوير المناهج التعليمية لتعزيز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة، وتمكينهم من تفكيك الرسائل التسويقية المبطنة.
خلاصة القول، إن الخوارزميات مصممة لخدمة أهداف تجارية بحتة، ولا يمكن الركون إليها كمصدر للمعلومة الطبية أو الغذائية. يبقى الوعي الفردي، والعودة إلى المصادر العلمية الرصينة واستشارة الأطباء والأخصائيين المعتمدين، هو الدرع الحقيقي الوحيد لحماية الصحة العامة من مخاطر «الوباء الرقمي» الجديد الذي يغزو الشاشات الذكية يومياً.