في خطوة تعكس مدى تعقيد المشهد العسكري والأمني على الحدود الشمالية لإسرائيل، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم الخميس عن تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق استهدفت تدمير بنية تحتية استراتيجية تحت الأرض تابعة لحزب الله في مرتفع علي الطاهر الاستراتيجي بجنوب لبنان. هذه العملية لا تمثل مجرد غارة جوية عابرة أو اشتباك حدودي تقليدي، بل تُعد تطوراً نوعياً خطيراً يكرس مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، حيث تحاول المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقويض القدرات الهندسية وتحصينات حزب الله الجوفية التي تمثل عصب العمليات والدفاع والاستطلاع في القطاع الجنوبي.
الأهمية الاستراتيجية لمرتفع علي الطاهر: نقطة ارتكاز الصراع
يحتل مرتفع علي الطاهر مكانة جغرافية وعسكرية بالغة الأهمية في حسابات الردع والسيطرة بجنوب لبنان. يطل هذا المرتفع الحاكم على قطاعات واسعة من الجليل الأعلى والسهول المحيطة، مما يجعله منصة مثالية للمراقبة والرصد وتوجيه النيران، فضلاً عن كونه عقدة وصل رئيسية ضمن شبكات الاتصالات والأنفاق اللوجستية التي طوّرها حزب الله على مدار عقود. تشير التقارير الاستخباراتية والعسكرية إلى أن الموقع يضم شبكة معقدة من التحصينات التحت أرضية المصممة لتحمل الضربات الجوية العنيفة، وحماية القيادات الميدانية ومخازن الذخيرة ووسائل الإطلاق الدقيقة. إن استهداف هذا الموقع بالذات يعكس رغبة إسرائيلية ملحة في تعميق الاختراق الاستخباراتي وتوجيه ضربة قاسية للبنية التحتية الصلبة التي تعتمد عليها قوات الرضوان ووحدات الإسناد التابعة للحزب في إدارة المعركة.
خلفيات التصعيد: من المناوشات الميدانية إلى حرب البنى التحتية
تأتي هذه العملية في سياق مرحلة حرجة من التوترات المتصاعدة التي دخلت مرحلة الغليان منذ اندلاع المواجهات في عام 2024. فعلى مدار الشهور الماضية، تحولت الحدود اللبنانية الإسرائيلية إلى مسرح لعمليات استنزاف متبادلة شملت قصفاً مدفعياً وغارات جوية وعمليات مسيّرات استهدفت تحركات ومواقع متفرقة. ورغم المحاولات الدبلوماسية المكثفة التي قادتها أطراف دولية وإقليمية لتجنب الانزلاق نحو حرب شاملة، إلا أن ديناميات الميدان كانت تفرض إيقاعاً تصاعدياً متسارعاً. لقد أدركت القيادة العسكرية الإسرائيلية أن الاكتفاء بالرد التكتيكي لم يعد كافياً، فبدأت بتبني استراتيجية الهجوم الاستباقي وتفكيك القدرات الهيكلية لحزب الله، بدءاً من المنصات الصاروخية وصولاً إلى الأنفاق وشبكات الأنظمة التحت أرضية التي تُشكل التهديد الأكبر لأي عملية برية محتملة.
تفاصيل العملية: دقة الاستهداف والتكتم الميداني
وفقاً للبيانات الرسمية والتقارير الميدانية المتاحة، فقد تم تنفيذ العملية باستخدام ترسانة من الطائرات المقاتلة الإسرائيلية المزودة بذخائر خارقة للتحصينات وقنابل موجهة بدقة عالية قادرة على اختراق الطبقات الصخرية والخرسانية الكثيفة. استهدفت الغارات بدقة متناهية المداخل والفتحات الرئيسية والأنظمة الكهروضوئية وشبكات الاتصالات السلكية واللاسلكية المؤدية إلى الشبكة الجوفية في مرتفع علي الطاهر. على الرغم من العنف الشديد الذي رافق الغارات والانفجارات الثانوية الناتجة عن تدمير المستودعات المفترضة داخل الأنفاق، لم يُعلن عن أي خسائر بشرية حتى اللحظة، سواء من الجانب اللبناني أو الإسرائيلي، وهو ما يُعزى غالباً إلى خلو الموقع من العناصر البشرية لحظة القصف، أو إلى الطبيعة السرية والمحكمَة لتأمين المنشأة قبل تنفيذ الضربة.
التداعيات الإقليمية والدبلوماسية: هل تقترب المنطقة من نقطة اللاعودة؟
تثير هذه العملية سيلاً من التساؤلات والتحليلات حول مآلات الصراع وتأثيره المباشر على الجهود الدبلوماسية المتعثرة. يرى مراقبون أن الإمعان في ضرب البنى التحتية الحيوية داخل الأراضي اللبنانية يقلص تدريجياً هامش المناورة أمام الوسطاء الدوليين، ويدفع حزب الله نحو خيارات الردع الحتمي لإعادة تثبيت قواعد الاشتباك. من جهة أخرى، تُظهر هذه التطورات مدى اتساع بنك الأهداف الإسرائيلي وقدرته على اختراق العمق الميداني اللبناني بمعلومات استخباراتية دقيقة. هذا الواقع يضع الدولة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام مأزق حقيقي، حيث تتزايد المخاوف من خروج الأمور عن السيطرة وانفجار الأوضاع لتتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة النطاق لا تحمد عقباها.
رؤية استشرافية: مستقبل المواجهة وتأثيرها على استقرار المنطقة
في الختام، يبدو أن استهداف مرتفع علي الطاهر ليس سوى محطة فاصلة في حرب الأدمغة والاستخبارات بين إسرائيل وحزب الله، وليست نهاية المطاف. إن إصرار إسرائيل على تفكيك شبكات الأنفاق والبنية التحتية الجوفية يؤكد أن العقيدة العسكرية الإسرائيلية باتت تركز على إزالة كافة التهديدات الاستراتيجية قبل أي تسوية محتملة. وفي المقابل، فإن قدرة حزب الله على امتصاص هذه الضربات وإعادة ترتيب أوراقه ستحدد شكل المرحلة القادمة. وسواء اتجهت الأمور نحو مزيد من التصعيد الميداني أو فرض هدنة هشة، فإن الواقع الأمني في جنوب لبنان قد تغير جذرياً، ولن يعود إلى ما كان عليه قبل هذا التصعيد، مما يترك المنطقة معلقة على حافة الهاوية في انتظار المبادرة القادمة.