في تطور ميداني مفاجئ يعيد خلط الأوراق في الملف اليمني المعقد، شهدت الحدود السعودية اليمنية عودة لافتة لتبادل الهجمات بين القوات السعودية وجماعة الحوثي، مما يضع حداً لحالة «اللا سلم واللا حرب» التي سادت خلال الأشهر الماضية. هذا التصعيد لا يمثل مجرد خرق ميداني عابر، بل يعكس هشاشة التفاهمات الضمنية التي كانت قائمة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول مدى صمود مسارات السلام التي رعتها سلطنة عمان والوساطات الإقليمية الأخرى.
جذور التوتر: لماذا الآن؟
يرى المحللون العسكريون أن عودة التوتر ليست وليدة الصدفة، بل هي نتيجة تراكمات لتعثر المفاوضات المباشرة بين الرياض وصنعاء. إن الجمود السياسي الذي أصاب ملف دفع الرواتب ورفع الحصار الشامل جعل من «التصعيد المحدود» أداة ضغط تستخدمها الأطراف لتحسين شروط التفاوض. جماعة الحوثي، من جانبها، تسعى من خلال هذه التحركات إلى إيصال رسالة مفادها أن «الهدوء لا يعني القبول بالأمر الواقع»، بينما تهدف السعودية إلى تأكيد خطوطها الحمراء المتعلقة بأمن حدودها الجنوبية وسيادتها الوطنية.
تفكيك المشهد الميداني والجيوسياسي
لا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تمر المنطقة بحالة من السيولة الاستراتيجية. إن ارتباط الملف اليمني بملفات إقليمية أخرى، مثل التوترات في البحر الأحمر وتصاعد حدة الصراع في غزة، يجعل من الساحة اليمنية «صمام أمان» أو «فتيل تفجير» حسب التوازنات.
- الضغط الميداني: استئناف الهجمات يهدف إلى اختبار جاهزية القوات السعودية وقدرتها على الرد.
- الرسائل السياسية: محاولة لانتزاع تنازلات في ملفات اقتصادية عالقة.
- التأثير الإقليمي: إظهار قدرة الجماعة على التأثير في أمن الطاقة والممرات الملاحية.
تداعيات انهيار الهدوء على المسار الأممي
إن العودة إلى المربع الأول تهدد بانهيار خارطة الطريق الأممية التي كان المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، هانس غروندبرغ، يعمل على صياغتها. إن أي تصعيد عسكري واسع النطاق سيؤدي حتماً إلى:
أولاً: تجميد كافة قنوات التواصل غير المباشرة بين الرياض وصنعاء.
ثانياً: تفاقم المعاناة الإنسانية في الداخل اليمني نتيجة تعطل الموانئ والمطارات.
ثالثاً: إضعاف الثقة بين الأطراف اليمنية المتصارعة، مما يعقد أي حل سياسي مستقبلي.
سيناريوهات المستقبل: بين التصعيد والاحتواء
تتعدد السيناريوهات المطروحة أمام صناع القرار في المنطقة، حيث يرجح الخبراء ثلاثة مسارات رئيسية: المسار الأول هو «الاحتواء السريع»، حيث تتدخل الوساطات الإقليمية لضبط النفس ومنع الانزلاق نحو حرب شاملة. المسار الثاني هو «التصعيد المحسوب»، وهو ما نشهده حالياً، حيث يتم تبادل الضربات ضمن قواعد اشتباك غير معلنة لتجنب حرب مفتوحة. أما المسار الثالث فهو «الانهيار الشامل»، وهو سيناريو كارثي تسعى كافة الأطراف لتجنبه نظراً لتكلفته الاقتصادية والسياسية الباهظة.
رؤية استشرافية: هل السلام لا يزال ممكناً؟
إن استمرار هذا التصعيد يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لجدية الالتزام بإنهاء الأزمة. إن السلام في اليمن لا يمكن أن يتحقق عبر «الضربات المتبادلة»، بل يتطلب شجاعة سياسية تقدم تنازلات مؤلمة من كافة الأطراف. إن سارد نيوز ترى أن العودة إلى طاولة المفاوضات هي الخيار الوحيد المتاح، وأن أي محاولة لفرض الحلول عبر القوة العسكرية لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدماء والدمار، مما يجعل المنطقة رهينة لدوامة لا تنتهي من الصراعات التي تستنزف مقدرات الشعوب ومستقبل الأجيال القادمة.