يقف المشهد اليمني اليوم على مفترق طرق بالغ الخطورة، حيث تتداعى جدران التهدئة الهشة التي صمدت طويلاً وسط مخاوف جادة من انزلاق البلاد نحو جولة جديدة من الصدام العسكري المدمّر. إن انهيار الهدنة مع جماعة الحوثي لم يقتصر أثره على الجبهات العسكرية فحسب، بل وجه ضربة قاصمة للآمال الإنسانية والاقتصادية التي علق عليها ملايين اليمنيين، ممن أنهكتهم سنوات الحرب الطويلة وأثقلت كاهلهم الأزمات المعيشية غير المسبوقة. وتؤكد تقارير استخباراتية ودولية متطابقة أن الأوضاع باتت تشهد احتقاناً غير مسبوق، مع تصاعد الخطاب التصعيدي وغياب أي أفق دبلوماسي فوري لاحتواء الأزمة، مما ينذر بعودة الأوضاع الميدانية إلى المربع الأول وبشكل أشد ضراوة.
الجذور التاريخية والجيوسياسية: لماذا انهارت الهدنة اليمنية؟
لإدراك أبعاد المأساة الراهنة، يجب الغوص في جذور الأزمة اليمنية التي تشابكت فيها الأطراف المحلية والإقليمية والدولية. منذ إعلان الهدنة الأممية الأولى في أبريل 2022، كانت الترتيبات مبنية على أسس هشة ومؤقتة تفتقر إلى ضمانات حقيقية لتنفيذ بنودها الشاملة. لقد تعثرت المفاوضات السياسية مراراً وتكراراً بسبب الخلافات الجوهرية حول قضايا سيادية واقتصادية حساسة، أبرزها ملف دفع رواتب الموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الحوثيين، وإيرادات النفط والغاز، وفتح الطرقات والمعابر المغلقة، ورفع الحصار عن المدن الحيوية كتعز. غياب الاختراق الحقيقي في هذه الملفات الإنسانية حوّل الهدنة من مسار نحو السلام الدائم إلى مجرد استراحة مقاتل استغلتها أطراف النزاع لترتيب أوراقها العسكرية. ومع تنصل الأطراف من الالتزامات المتبادلة وتبادل الاتهامات بعرقلة الجهود الأممية والدولية، بات من الواضح أن الهيكل الدبلوماسي للتهدئة قد انهار بالكامل، مما يفتح الباب على مصراعيه لسيناريوهات المواجهة الشاملة.
التصعيد الميداني على خطوط التماس: عودة طبول الحرب
شهدت الأسابيع القليلة الماضية تحولات دراماتيكية على الأرض، تمثلت في تحركات عسكرية مكثفة وتحشيدات بشرية وآلية على امتداد خطوط التماس الاستراتيجية في محافظات مأرب، تعز، الحديدة، الجوف، وضالع. وتؤكد مصادر ميدانية موثوقة أن الاشتباكات المتقطعة لم تعد تقتصر على المناوشات التقليدية، بل تطورت إلى محاولات تسلل وهجمات متبادلة باستخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة، في مؤشر واضح على نية الأطراف فرض وقائع جديدة على الأرض بالقوة العسكرية. هذا التصعيد الميداني لا يعكس فقط انهيار الثقة المتبادلة، بل يعبر عن استراتيجية جديدة تعتمد على "حافة الهاوية" لتحقيق مكاسب تفاوضية مسبقة، وهو ما يزيد من احتمالات خروج الأمور عن السيطرة وانفجار جبهات واسعة النطاق تصعب السيطرة عليها مستقبلاً.
التداعيات الإنسانية والاقتصادية الكارثية: المواطن اليمني الضحية الأولى
في قلب هذا المشهد المظلم، يقبع المواطن اليمني وحيداً في مواجهة تداعيات اقتصادية وإنسانية كارثية. إن عودة شبح الحرب تعني تقويض ما تبقى من بنية تحتية متهالكة، وتوقف الإمدادات الغذائية والطبية الحرجة، فضلاً عن انهيار قيمة العملة المحلية وتضاعف معدلات التضخم والبطالة والفقر المدقع. وحسب تقارير المنظمات الأممية والإنسانية العاملة في اليمن، فإن أي تصعيد عسكري جديد سيعني بالضرورة نزوح مئات الآلاف من المدنيين الجدد، وتفاقم معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال والنساء، وحرمان ملايين الأسر من سبل العيش الأساسية. إن ربط الملف الإنساني بالملفات السياسية والعسكرية واستخدامه كورقة ضغط تفاوضية يمثل جريمة بحق الإنسانية، ويضع ملايين الأرواح على حافة المجاعة والهلاك المحقق، في ظل عجز دولي واضح عن فرض قواعد لحماية المدنيين وتحييدهم عن صراعات السلطة والنفوذ.
الموقف الدولي والإقليمي: عجز دبلوماسي ومخاوف اتساع رقعة الصراع
على الصعيدين الإقليمي والدولي، تقف الدبلوماسية الدولية أمام اختبار حقيقي وصعب بعد تداعي جهود التهدئة. فقد كثفت الأمم المتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى اليمن، إلى جانب الجهود المضنية التي تبذلها سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية، من تحركاتهم الدبلوماسية لاحتواء الموقف ومنع انهيار التسوية السياسية بالكامل. ومع ذلك، تصطدم هذه التحركات بتعنت الأطراف المحلية وغياب الررادة السياسية الحقيقية لتقديم تنازلات متبادلة تغلب المصلحة الوطنية العليا على المكاسب الفئوية الضيقة. علاوة على ذلك، ترتبط الأزمة اليمنية ارتباطاً وثيقاً بالتوترات الإقليمية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما يجعل أي تصعيد داخلي عاملاً إضافياً لزعزعة الاستقرار الإقليمي والدولي، ويهدد خطوط الملاحة التجارية العالمية، ويستدعي بالضرورة تدخلاً دولياً عاجلاً وحاسماً قبل فوات الأوان.
- تعثر المفاوضات السياسية: غياب التوافق حول ملف الرواتب، إيرادات النفط، وفتح المعابر أدى إلى طريق مسدود.
- التصعيد الميداني المتسارع: رصد تحركات وعمليات عسكرية وتحشيدات في خطوط التماس بمأرب وتعز والحديدة.
- الكارثة الإنسانية المتفاقمة: التخوف من موجات نزوح واسعة وتدهور إضافي في الأمن الغذائي والصحي للملايين.
- الجمود الدبلوماسي الدولي: عجز الجهود الأممية والإقليمية عن فرض خارطة طريق مستدامة للسلام الشامل.
استشراف المستقبل: سيناريوهات ما بعد انهيار الهدنة والدروس المستفادة
في الختام، يواجه اليمن سيناريوهات بالغة التعقيد والخطورة في ظل انسداد الأفق السياسي وتصاعد نذر المواجهة العسكرية. إن السيناريو الأرجح على المدى القريب يتمثل في العودة التدريجية إلى حرب الاستنزاف الميدانية، مع احتمالية اتساع رقعة الاشتباكات لتشمل مناطق جديدة، ما لم تتدخل القوى الإقليمية والدولية بضغط حقيقي يفرض وقفاً فورياً لإطلاق النار. يتطلب الموقف الراهن إعادة هندسة شاملة لعملية السلام في اليمن، بحيث تكون أكثر شمولاً وواقعية، وتضمن مشاركة حقيقية لكافة مكونات المجتمع اليمني، مع وضع آليات صارمة وموثوقة لتنفيذ أي اتفاقيات مستقبلية دون تلاعب أو تلكؤ. إن استمرار دوامة العنف لن يفضي إلا إلى مزيد من التشظي والانهيار الشامل، ويبقى الرهان الأخير معقوداً على وعي القوى الحية في الداخل والضغط الدولي المستمر لإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفتح نافذة جديدة نحو سلام عادل ومستدام يحقن دماء اليمنيين ويعيد بناء وطنهم.