في تصريحات تعكس عمق القراءة السعودية للمشهد اليمني المعقد، وضع السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، النقاط على الحروف في توصيف الأزمة، مؤكداً أن جماعة الحوثي لم تعد مجرد طرف محلي في نزاع داخلي، بل تحولت إلى أداة تنفيذية بيد قوى إقليمية تسعى لزعزعة استقرار المنطقة. هذا التوصيف ليس مجرد خطاب سياسي عابر، بل هو قراءة استراتيجية لمسار الحرب التي دخلت عامها العاشر، حيث باتت السيادة اليمنية رهينة لأجندات خارجية لا تضع مصلحة الشعب اليمني في قائمة أولوياتها.
تفكيك الارتباط: اليمن كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية
يرى المحللون السياسيون أن تصريحات آل جابر تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية مع الطموحات الإقليمية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب. إن تحويل اليمن إلى منصة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ليس سوى تجسيد مادي لتبعية القرار الحوثي لجهات خارجية، وتحديداً طهران. هذا الارتباط العضوي أدى إلى تآكل الهوية الوطنية اليمنية لصالح مشروع أيديولوجي عابر للحدود، مما جعل من الصعب على أي وسيط دولي إيجاد أرضية مشتركة مع قيادات حوثية لا تملك قرار الحرب أو السلم في صنعاء.
الأبعاد الجيوسياسية: لماذا تتعثر جهود السلام؟
تتعدد الأسباب التي تجعل من السلام في اليمن هدفاً بعيد المنال، ولعل أبرزها هو غياب الإرادة السياسية لدى الحوثيين. ففي كل مرة تقترب فيها الأطراف من اتفاق، تظهر عراقيل جديدة تفرضها المرجعيات الخارجية. إن استراتيجية الحوثيين تعتمد على إطالة أمد النزاع لضمان بقاء الورقة اليمنية حاضرة في أي مفاوضات إقليمية كبرى، وهو ما يفسر تعنتهم في ملفات إنسانية واقتصادية حيوية، مثل فتح الطرقات في تعز أو صرف رواتب الموظفين، حيث يتم استخدام هذه الملفات كأدوات ضغط سياسي بدلاً من كونها حقوقاً إنسانية.
تداعيات التبعية على النسيج الاجتماعي والاقتصادي
لا تتوقف أضرار التبعية الخارجية عند حدود السياسة، بل تمتد لتشمل الانهيار الاقتصادي الشامل. إن الاقتصاد اليمني، الذي كان يعاني أصلاً من هشاشة البنية التحتية، تعرض لضربات قاصمة نتيجة استهداف الموانئ والمنشآت النفطية، وهو ما يخدم بالضرورة أجندة الفوضى التي تتبناها القوى الخارجية.
- استنزاف الموارد: تحويل مقدرات الدولة لتمويل المجهود الحربي بدلاً من التنمية.
- تفكيك المؤسسات: استبدال الكوادر الوطنية بعناصر موالية تتبنى الفكر الطائفي.
- العزلة الدولية: تحويل اليمن إلى بؤرة توتر تهدد الملاحة الدولية، مما يضاعف من معاناة المواطن اليمني في الداخل والخارج.
الموقف السعودي: بين دعم الشرعية والبحث عن حل مستدام
تؤكد المملكة العربية السعودية، من خلال دبلوماسية محمد آل جابر، أن أي حل مستقبلي يجب أن ينطلق من استقلالية القرار اليمني. إن المبادرة السعودية للسلام لا تزال تمثل الإطار الأكثر واقعية لإنهاء الصراع، لكنها تصطدم بجدار من الممانعة الحوثية. إن الرياض تدرك أن استقرار اليمن هو جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، ولذلك فإن دعم الشرعية اليمنية ليس خياراً بل ضرورة استراتيجية لمنع تحول اليمن إلى قاعدة انطلاق لتهديد أمن المنطقة بأكملها.
سيناريوهات المستقبل: هل من مخرج للأزمة؟
في ظل المعطيات الراهنة، يبدو أن الحل السياسي يتطلب ضغطاً دولياً حقيقياً ليس فقط على الحوثيين، بل على القوى التي تحركهم من خلف الستار. إن السيناريو القادم يتوقف على مدى قدرة المجتمع الدولي على فصل المسار اليمني عن التجاذبات الإقليمية. إذا استمر الحوثيون في الارتهان للخارج، فإن البلاد ستظل تواجه خيارات صعبة، تتراوح بين استمرار الحرب المنهكة أو الانزلاق نحو تشظٍ أعمق يهدد وحدة التراب اليمني. إن الدرس المستفاد من العقد الماضي هو أن السلام لا يمكن أن يولد من رحم التبعية، بل يجب أن يكون نتاجاً لإرادة يمنية خالصة تعيد بناء الدولة على أسس المواطنة والشراكة.
ختاماً، يظل تحذير السفير آل جابر بمثابة جرس إنذار للمجتمع الدولي، بأن اليمن يقف على مفترق طرق تاريخي. إن استعادة الدولة اليمنية من قبضة الوكلاء الخارجيين هي المهمة الأكثر إلحاحاً، ليس فقط لإنقاذ اليمن من براثن الفقر والمجاعة، بل لحماية أمن واستقرار المنطقة من تداعيات مشروع توسعي لا يعترف بحدود السيادة الوطنية.