في مشهد سياسي أمريكي يزداد استقطاباً يوماً بعد يوم، أطلق الرئيس السابق دونالد ترامب سهام نقده الحادة مجدداً تجاه خصومه السياسيين، واصفاً إياهم بأنهم يعانون من حالة نفسية وسياسية أطلق عليها مصطلح «متلازمة اضطراب ترامب» (Trump Derangement Syndrome). هذا المصطلح، الذي بات جزءاً أصيلاً من القاموس السياسي في واشنطن، لم يعد مجرد وصف عابر، بل تحول إلى أداة استراتيجية يستخدمها ترامب لتفكيك شرعية معارضيه، معتبراً أن هوسهم به وصل إلى حد تمني الهزيمة للولايات المتحدة في ملفات استراتيجية كبرى، وعلى رأسها الملف الإيراني، لمجرد عرقلة نجاحاته السياسية.
جذور «متلازمة اضطراب ترامب» وأبعادها السيكولوجية والسياسية
لا يمكن فهم هذا الهجوم بمعزل عن السياق التاريخي للاستقطاب في الولايات المتحدة. فمنذ صعود ترامب إلى سدة الحكم في 2016، انقسمت النخبة السياسية والإعلامية في واشنطن إلى معسكرين حادين. يرى أنصار ترامب أن «متلازمة الاضطراب» هي حالة من فقدان العقلانية التي أصابت الديمقراطيين وبعض المحافظين التقليديين، حيث أصبحت كراهية شخص ترامب هي المحرك الأساسي لسياساتهم، بدلاً من المصلحة الوطنية. يجادل ترامب بأن هذا «المرض» السياسي دفع خصومه إلى تبني مواقف متناقضة؛ فهم يطالبون بالتشدد مع الخصوم الدوليين، لكنهم يعارضون بشدة أي خطوة يتخذها هو، حتى لو كانت تحقق أهدافهم المعلنة.
الملف الإيراني: ساحة معركة بين المصالح الوطنية والحسابات الحزبية
يعد الملف الإيراني أحد أكثر القضايا تعقيداً في السياسة الخارجية الأمريكية، وقد حوله ترامب إلى «اختبار ولاء» وطني. يرى ترامب أن استراتيجيته القائمة على «الضغوط القصوى» كانت السبيل الوحيد لتحجيم النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط. وفي المقابل، يرى خصومه أن هذه السياسة كانت متهورة وتفتقر إلى رؤية دبلوماسية مستدامة. التوتر هنا يكمن في اتهام ترامب لخصومه بأنهم يفضلون رؤية إيران تنتصر أو تتحدى الولايات المتحدة، فقط ليثبتوا أن سياسات ترامب قد فشلت. هذا الاتهام يضع المعارضة في موقف دفاعي، حيث تحاول التمييز بين معارضة «أسلوب ترامب» وبين معارضة «المصلحة الوطنية الأمريكية».
الاستقطاب الداخلي وتأثيره على الأمن القومي الأمريكي
تتجاوز تصريحات ترامب حدود السجال الانتخابي لتلامس جوهر الأمن القومي. إن حالة الاحتقان الداخلي التي يغذيها هذا الخطاب تؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات الأمريكية. عندما يُتهم نصف الشعب الأمريكي أو ممثلوه بأنهم «مرضى» أو «خونة للمصلحة الوطنية»، فإن ذلك يضعف قدرة الدولة على اتخاذ قرارات موحدة تجاه التحديات العالمية. إن الاستقطاب السياسي أصبح اليوم أكبر تهديد داخلي للولايات المتحدة، حيث يتم توظيف كل أزمة خارجية -سواء كانت في طهران أو بكين أو موسكو- كوقود للصراع الداخلي، مما يجعل السياسة الخارجية الأمريكية رهينة للتقلبات الانتخابية.
تحليل السيناريوهات: هل يؤدي الخطاب إلى مزيد من الانقسام؟
بناءً على المعطيات الحالية، يمكن استشراف عدة سيناريوهات للمشهد الأمريكي:
- استمرار التصعيد اللفظي: من المتوقع أن يزداد استخدام مصطلح «متلازمة الاضطراب» كشعار انتخابي لحشد القاعدة الجماهيرية لترامب، مما يعمق الفجوة مع المستقلين.
- تسييس السياسة الخارجية: ستظل الملفات الدولية، خاصة إيران، عرضة للابتزاز السياسي، حيث سيحاول كل طرف تصوير الآخر كمتواطئ مع الأعداء.
- تآكل المؤسسات: استمرار هذا الخطاب قد يؤدي إلى مزيد من التشكيك في نزاهة المؤسسات الأمنية والدبلوماسية التي تتعامل مع هذه الملفات الحساسة.
خاتمة: نحو رؤية استشرافية للمشهد السياسي الأمريكي
إن اتهامات ترامب لخصومه بتبني «متلازمة الاضطراب» تعكس أزمة هوية أعمق داخل النظام السياسي الأمريكي. إن تحويل السياسة الخارجية إلى أداة للمزايدات الداخلية ليس بالأمر الجديد، لكن حدته في عهد ترامب بلغت مستويات غير مسبوقة. لكي تتجاوز الولايات المتحدة هذه المرحلة، يتطلب الأمر إعادة تعريف للمصلحة الوطنية بعيداً عن الأشخاص والولاءات الحزبية الضيقة. إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط فرص ترامب أو خصومه، بل يهدد مكانة الولايات المتحدة كقوة عالمية متماسكة وموثوقة، حيث تصبح السياسة الخارجية مجرد انعكاس لصراعات داخلية لا تنتهي، مما يفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لاستغلال هذا الانقسام لتحقيق مكاسب استراتيجية على حساب واشنطن.