في تطور ميداني وسياسي يثير أقصى درجات القلق الإقليمي والدولي، عاد الملف النووي الإيراني ليتصدر واجهة الأزمات العالمية على وقع تلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن ضربة عسكرية واسعة النطاق وقريبة جداً، تستهدف موقعاً نووياً إيرانياً بالغ التحصين. يأتي هذا التصعيد العسكري واللفظي ليضع المنطقة على حافة صفعة جديدة قد تعيد رسم خريطة الصراع في الشرق الأوسط برمته، لا سيما أن التهديدات لا تستهدف منشأة تقليدية، بل تركز على مجمع تحت أرضي وجبلي يعتقد أنه يمثل الملاذ الآمن الأحدث للأنشطة النووية الإيرانية السرية، بالقرب من منشأة نطنز الاستراتيجية.
التشريح الجغرافي والتقني: ما هو «جبل كولانغ غاز-لا»؟
يتركز الاهتمام الاستخباراتي والعسكري حالياً حول موقع أطلق عليه اسم «جبل كولانغ غاز-لا» أو ما يعرف محلياً بـ «جبل الفأس»، وهو تكوين جغرافي صخري شديد الوعورة يقع على مسافة قريبة للغاية من مجمع نطنز لتخصيب اليورانيوم، الذي يشكل بدوره جوهر البرنامج النووي الإيراني. تشير التقارير الاستخباراتية وصور الأقمار الصناعية الحديثة إلى أن إيران دأبت طوال الأشهر الماضية على حفر أنفاق عميقة وتحصينات خرسانية مسلحة تحت هذا الجبل، في محاولة واضحة لحماية أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وأنشطة التخصيب الحساسة من أي غارات جوية تقليدية محتملة.
إن طبيعة هذه التحصينات الجبلية العميقة تضع المؤسسة العسكرية الأمريكية أمام تحدٍ هندسي وتكتيكي معقد للغاية. فعلى عكس المنشآت السطحية، تتطلب المواقع المدفونة تحت مئات الأمتار من الصخور القاسية استخدام أسلحة استراتيجية فريدة، مثل قنابل «الاختراق الخارقة للتحصينات» (Massive Ordnance Penetrator - MOP)، وهي قنابل تزن أطنانة ومصممة خصيصاً لاختراق الطبقات الصخرية السميكة قبل انفجارها. هذا الواقع التقني يعني أن أي ضربة عسكرية لن تكون مجرد غارة جوية عابرة، بل عملية معقدة تتطلب تفوقاً جوياً استثنائياً ومخاطر عالية باندلاع مواجهة إقليمية شاملة.
الأبعاد الاستراتيجية ودوافع التصعيد الأمريكي
تأتي تصريحات ترامب في سياق استراتيجية الضغط الأقصى التي تعتمدها الإدارة الأمريكية لمنع طهران قطعياً من حيازة السلاح النووي. وتعكس هذه التحذيرات قناعة متزايدة لدى دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب بأن الدبلوماسية وحدها ربما لم تعد كפيلة بكبح جماح البرنامج النووي الإيراني، خصوصاً مع مواصلة طهران تقليص تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ورفع مستويات تخصيب اليورانيوم إلى درجات تقترب خطيراً من المستوى العسكري المطلوب لصناعة قنبلة نووية.
- تآكل الردع التقليدي: تسعى واشنطن لإرسال رسالة ردع قوية بأن الخطوط الحمراء المتعلقة بسلاح إيران النووي لا تزال قائمة ونافذة.
- الحسابات الإسرائيلية: يتقاطع التهديد الأمريكي مع رغبة إسرائيلية ملحة في توجيه ضربة استباقية للملف النووي قبل وصوله إلى نقطة اللاعودة.
- السباق مع الزمن: استكمال التحصينات في «جبل كولانغ غاز-لا» يعني أن نافذة الفرصة المتاحة للعمل العسكري المؤثر بدأت تضيق بشكل ملحوظ.
ردود الفعل الإيرانية والسيناريوهات المحتملة للمواجهة
من جانبها، لم تتأخر طهران في الرد على هذه التهديدات، حيث أكدت الد الدبلوماسية والمؤسسة العسكرية الإيرانية مراراً أن أي عدوان على منشآتها النووية سيوابل برد حاسم ومدمر. تدرك القيادة الإيرانية تماماً حجم المخاطر المحيطة بمنشأة نطنز وما يجاورها، ولذلك وضعت خطط طوارئ دفاعية تشمل تفعيل شبكات الدفاع الجوي، ونشر بطاريات صواريخ متطورة، فضلاً عن الاعتماد على استراتيجية الردع بالوكالة عبر حلفائها في المنطقة للضغط على القواعد والمصالح الأمريكية في حال اندلاع أي نزاع مسلح.
وتتعدد السيناريوهات المحتملة للتعامل مع هذا التهديد، وتتراوح بين:
- السيناريو الأول: ضربة عسكرية محدودة ومركزة تستهدف الأنفاق ومداخل الموقع الجبلي لتعطيل العمل فيه لسنوات طويلة.
- السيناريو الثاني: حرب إقليمية شاملة نتيجة ردود فعل انتقامية واسعة من قبل إيران وحلفائها تستهدف الملاحة البحرية والطاقة والقواعد الأمريكية.
- السيناريو الثالث: تراجع التصعيد العسكري العنيف لصالح تسوية دبلوماسية جديدة تفرض قيوداً أشد قسوة على الأنشطة النووية الإيرانية.
استشراف المستقبل: خيارات صعبة على حافة الهاوية
في الختام، يظل الموقف الراهن حول منشأة نطنز و«جبل كولانغ غاز-لا» واحداً من أخطر الملفات على الطاولة الدولية اليوم. إن لغة التهديد والوعيد التي يتبناها دونالد ترامب تعكس حساسية مفرطة تجاه طموحات إيران النووية، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب على مصراعيه أمام احتمالات كارثية قد لا تقف عند حدود تدمير منشأة جبلية، بل تمتد لزعزعة استقرار الشرق الأوسط واقتصاده العالمي بأسره، مما يجعل العالم بأسره يترقب بحذر شديد الخطوة العسكرية القادمة.