في خطوة تعكس مدى حساسية وحرارة المشهد العسكري والسياسي في الساحة اليمنية، أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن، رشاد محمد العليمي، تحذيرات شديدة اللهجة وواضحة المعالم حيال ما وصفه بـ"المغامرات العسكرية الخطيرة" التي تقودها جماعة الحوثي في واحدة من أهم وأعقد البقاع الجيوسياسية في العالم، وهي منطقة باب المندب. هذا التحذير لم يكن مجرد تصريح عابر، بل جاء ليقرع أجراس الإنذار مبكراً حول تداعيات كارثية محتملة قد تلحق بالأمن القومي العربي والأمن البحري الدولي، في ظل إصرار المليشيات على تحويل الممرات المائية الحيوية إلى ساحة ابتزاز سياسي وعسكري، غير مبالية بالتبعات الاقتصادية والإنسانية الجسيمة على الصعيدين المحلي والعالمي.
الأهمية الجيوسياسية لباب المندب: شرايين التجارة العالمية في دائرة الخطر
لا يمكن قراءة تحذيرات الرئيس رشاد العليمي بمعزل عن الأهمية الاستراتيجية الفائقة التي يمثلها مضيق باب المندب. فهذا الممر المائي الاستراتيجي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندسي عبر خليج عدن، وتمر من خلاله نسبة هائلة من تجارة النفط العالمية والبضائع والحاويات بين آسيا وأوروبا. أي محاولة لزعزعة الاستقرار في هذه البقعة أو فرض واقع عسكري بالقوة تعني بالضرورة شل شرايين الاقتصاد العالمي وارتفاع هائل في تكاليف الشحن والتأمين البحري. لقد أدرك المجتمع الدولي مراراً خطورة هذه التهديدات، غير أن تصريحات العليمي تأتي لتضع النقاط على الحروف، مؤكدة أن الحكومة الشرعية ومجلس القيادة لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام هذه التهديدات الوجودية التي تمس سيادة اليمن وتهدد السلم والأمن الدوليين برمتهما.
متابعة ميدانية دقيقة وتأهب عسكري في جبهات تعز الاستراتيجية
على الأرض، لا يقتصر التحرك الرسمي على الجانب الخطابي أو الدبلوماسي، بل يتعداه إلى تنسيق ميداني وعسكري رفيع المستوى. فقد كشف مصدر مسؤول في مكتب القائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية أن الرئيس رشاد العليمي يتابع بدقة متناهية، برفقة أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، تطورات الأوضاع على الأرض. وتتصدر جبهات محافظة تعز المشهد العسكري باعتبارها البوابة الكبرى وخط الدفاع الأول الذي يحبط محاولات التمدد الحوثي نحو الساحل والممرات المائية. تشهد هذه الجبهات مواجهات متقطعة وحالة استنفار مستمرة، حيث تسعى القوات الحكومية والمقاومة الشعبية إلى إحباط أي تحركات استباقية أو حشود للمليشيات، مؤكدة جاهزيتها القصوى للتعامل بحزم مع أي طارئ ميداني قد تقدم عليه الجماعة.
استراتيجية الاستنزاف العسكري: خيارات الحكومة الشرعية لمواجهة التصعيد
في إطار قراءة دقيقة لسيناريوهات المواجهة المحتملة، وجه مجلس القيادة الرئاسي رسائل حازمة لا تقبل التأويل. تتلخص هذه الاستراتيجية في عدة محاور أساسية تعكس جاهزية الدولة للتعامل مع مختلف الاحتمالات:
- حماية الملاحة الدولية: التأكيد القاطع على أن أي محاولة للمساس بأمن باب المندب والممرات المائية ستواجه برد عسكري حازم ومباشر من قبل القوات المسلحة وبإسناد إقليمي ودولي.
- استنزاف القدرات الحوثية: إعلان الاستعداد الكامل لخوض معركة طويلة الأمد تهدف إلى استنزاف القدرات العسكرية والبنية التحتية للجماعة في حال أصرت على خيار التصعيد ورفضت مسار السلام.
- توحيد الجبهات والقرار العسكري: فرض تنسيق وثيق ومكثف بين مختلف أعضاء مجلس القيادة الرئاسي والمكونات العسكرية والأمنية لتوحيد الجبهات الداخلية ورص الصفوف وضمان استقرار الموقف العسكري على كافة المحاور.
التشابكات الإقليمية والدولية والبحث عن تسوية عادلة
تتزامن هذه التطورات الميدانية والتحذيرات الرئاسية مع حراك دبلوماسي مكثف تقوده الأطراف الإقليمية والدولية للبحث عن مخرج سياسي للأزمة اليمنية. غير أن تعنت جماعة الحوثي واستمرارها في استخدام الورقة الاقتصادية والبحرية للضغط على المجتمع الدولي يعرقل كل الجهود السلمية. يدرك مجلس القيادة الرئاسي هذه المعادلة المعقدة، ولذلك يتبع سياسة مزدوجة تجمع بين مدّ يد السلام القائم على المرجعيات الثلاث، والتلويح بالقوة العسكرية والاستنزاف لمنع فرض أمر واقع بالقوة. إن تحذيرات العليمي تمثل رسالة ردع استراتيجية تهدف إلى إعادة الحوثيين إلى طاولة المفاوضات عبر إدراكهم التام بأن كلفة المغامرة العسكرية في باب المندب ستكون باهظة للغاية ولن تتحملها بنيتهم العسكرية والاقتصادية الهشة.
خلاصة استشرافية: مستقبل الأمن البحري في اليمن
في الختام، يجد اليمن نفسه أمام مفترق طرق حاسم. إن رهان جماعة الحوثي على تحقيق مكاسب سياسية عبر ابتزاز العالم في باب المندب يصطدم بصخرة الإرادة الوطنية والشرعية المدعومة بمواقف إقليمية ودولية صارمة رافضة للفوضى البحرية. استمرار هذا النهج الحوثي سيقابل حتماً بمزيد من الضغط العسكري والاستنزاف المنهجي لقدراتهم. وعليه، فإن الأيام القادمة قد تحمل تطورات ميدانية واسعة النطاق، إما أن تدفع باتجاه فرض معادلات ردع جديدة تحيد الملاحة الدولية عن الصراع، أو تقود المنطقة إلى جولة جديدة وموسعة من المواجهات العسكرية المفتوحة التي ستكون نتائجها حاسمة في رسم ملامح مستقبل اليمن والمنطقة بأسرها.