في مؤتمر صحفي عقده في العاصمة كييف يوم 3 أكتوبر 2024، أعلن وزير المالية الأوكراني سيرغي مارتشينكو عن أن الوضع المالي للبلاد وصل إلى "أصعب مرحلة منذ بدء الحرب في عام 2022". وقد وصف الأزمة الاقتصادية بأنها "خانقة"، مشيراً إلى أن العجز في الميزانية العامة يتجاوز الآن 30 مليار يورو، وهو ما يمثل أعلى نسبة عجز منذ بدء الصراع. يأتي هذا الإعلان في ظل تصاعد الضغوط الدولية لتوفير الدعم العسكري لأوكرانيا، بينما تتراجع الموارد التقليدية للدولة من الضرائب والعائدات النفطية.
خلفية الصراع وتأثيره على الاقتصاد الوطني
منذ اندلاع العملية العسكرية الروسية في 24 فبراير 2022، شهدت أوكرانيا تدميراً واسع النطاق للبنية التحتية، بما في ذلك محطات الطاقة، شبكات النقل، والمرافق العامة. وفقاً لتقارير البنك الدولي، فقدت أوكرانيا ما يقارب 15٪ من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022، وتراجعت الاستثمارات الأجنبية إلى أقل مستوياتها منذ الاستقلال. إضافة إلى ذلك، أدى النزاع إلى نزوح أكثر من 7 ملايين شخص داخل وخارج البلاد، ما زاد العبء على نظام الحماية الاجتماعية وزاد من الحاجة إلى تمويل الخدمات الإنسانية.
التحول إلى سياسة تقشفية شديدة
في ظل هذه الظروف، اضطرت الحكومة إلى إعادة ترتيب الأولويات المالية بصورة جذرية. صرح مارتشينكو أن "الخيارات القاسية" تشمل تقليص النفقات غير العسكرية بنسبة تقارب 20٪ خلال العام المالي 2024/2025. وتشمل هذه الخفض:
- خفض الإنفاق على المشاريع المدنية الكبرى مثل بناء الطرق السريعة ومشروعات الإسكان.
- تقليل الرواتب والمكافآت للموظفين غير العسكريين بنسبة 10 إلى 15 بالمائة.
- إعادة هيكلة الدعم للمؤسسات الثقافية والتعليمية، مع تحويل جزء من التمويل إلى برامج تدريب عسكري.
تهدف هذه الإجراءات إلى توجيه كل الموارد المتاحة لدعم الجبهات العسكرية، وتخفيف العجز المالي المتفاقم نتيجة تراجع الموارد الاقتصادية التقليدية.
دعم دولي متباين بين المساعدات العسكرية والمالية
على الصعيد الدولي، تستمر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في تقديم مساعدات عسكرية ضخمة لأوكرانيا. وفقاً لبيان وزارة الخارجية الأمريكية، تم تخصيص ما يزيد عن 50 مليار دولار من أسلحة ومعدات دفاعية منذ بداية الصراع. ومع ذلك، فإن الدعم المالي المباشر يظل محدوداً نسبياً؛ حيث قدم صندوق النقد الدولي (IMF) حزمة تمويل بقيمة 5 مليارات يورو، وهو ما لا يغطي سوى جزء بسيط من الفجوة المالية المتزايدة.
هذا التفاوت بين الدعم العسكري والمالي يضع الحكومة الأوكرانية أمام معضلة حقيقية: كيف توزع الموارد المتاحة لتلبية احتياجات الدفاع دون إهمال الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المواطنون؟
تأثير التقشف على الخدمات العامة والطبقة المتوسطة
إن خفض الإنفاق المدني سيؤثر مباشرة على قطاعات حيوية مثل الصحة والتعليم. وفقاً لتقارير وزارة الصحة الأوكرانية، سيؤدي تقليص الميزانية إلى إغلاق ما لا يقل عن 15 مستشفى في المناطق المتضررة، وزيادة أوقات الانتظار للمرضى. وفي قطاع التعليم، من المتوقع أن يتعرض أكثر من 200 مدرسة لتقليص التمويل، ما قد يؤدي إلى تأجيل بدء العام الدراسي وتأثير سلبي على جودة التعليم.
بالإضافة إلى ذلك، تواجه الطبقة المتوسطة تراجعاً في القوة الشرائية نتيجة ارتفاع أسعار السلع الأساسية، التي ارتفعت بنسبة 12٪ في العام الماضي بسبب اضطراب سلاسل الإمداد. هذا الوضع يزيد من مخاوف الاحتجاجات الاجتماعية، وقد شهدت مدن مثل خاركيف ولفيف اضطرابات صغيرة في الأسابيع الأخيرة.
ردود فعل داخلية وخارجية على خطة التقشف
تباينت ردود الفعل بين مختلف الفئات السياسية. فقد رحبت بعض الأحزاب الوطنية بضرورة "إنقاذ الدولة" عبر توجيه كل الموارد إلى الجبهة، بينما انتقدت أحزاب المعارضة ما وصفته "سياسة تقشف غير إنسانية" قد تؤدي إلى تدهور الوضع الاجتماعي وتفاقم الفقر.
من جانبها، أعربت منظمة العفو الدولية عن قلقها من أن تخفيض الإنفاق على الخدمات الأساسية قد ينتهك حقوق الإنسان، خاصةً في مجال الصحة. وفي الوقت نفسه، شددت الحكومة الأمريكية على أن الدعم العسكري لا يمكن أن يكون "بدون تمويل"، مما يضع ضغطاً إضافياً على كييف لتبرير طلباتها المالية.
سيناريوهات مستقبلية وتحديات طويلة الأمد
تحليل الخبراء يشير إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة للميزانية الأوكرانية خلال السنوات الخمس القادمة:
- السيناريو الأول: استمرار الدعم العسكري الغربي مع زيادة حزم التمويل من IMF، ما يسمح بتقليل حدة التقشف وتخفيف الضغوط على الخدمات المدنية.
- السيناريو الثاني: تراجع الدعم الغربي نتيجة إرهاق الموارد، ما يجبر أوكرانيا على فرض ضرائب أعلى وزيادة الاقتراض، مع خطر ارتفاع الدين العام إلى مستويات غير مستدامة.
- السيناريو الثالث: توقيع اتفاقية سلام جزئية تسمح بإعادة توجيه جزء من الإنفاق العسكري إلى إعادة الإعمار، ما يفتح باباً لإعادة هيكلة الاقتصاد وتفعيل برامج تنمية مستدامة.
في جميع السيناريوهات، يبقى السؤال الأساسي هو كيف ستحافظ أوكرانيا على توازن بين الدفاع عن سيادتها وضمان استقرار الاقتصاد وحماية مواطنيها من تداعيات الفقر والبطالة.
دروس مستفادة وإجراءات مقترحة
من الدروس المستخلصة من الأزمة الحالية يمكن ذكر ما يلي:
- ضرورة تنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن الاعتماد على الضرائب التقليدية، عبر تعزيز قطاع التكنولوجيا والابتكار.
- إرساء آليات مراقبة شفافة للإنفاق العسكري لتجنب الفساد وضمان كفاءة استخدام الموارد.
- تطوير شراكات إقليمية مع دول الجوار لتأمين سلاسل إمداد غذائية وطاقة مستقرة.
- إطلاق برامج دعم اجتماعي مؤقتة تستهدف الفئات الأكثر ضعفاً لتخفيف آثار التقشف.
ختاماً، يبقى ما يواجهه وزير المالية مارتشينكو والحكومة الأوكرانية اختباراً صعباً للقدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في ظل حرب مستمرة وضغوط اقتصادية غير مسبوقة. إن نجاح هذه السياسات سيحدد مستقبل أوكرانيا ليس فقط على ساحة القتال، بل وعلى خريطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للبلاد في ما بعد الصراع.