في خطوة أعادت تسليط الضوء على الانقسامات العميقة داخل المشهد السياسي الإيراني، أثار الرئيس الإيراني السابق، حسن روحاني، موجة عارمة من الجدل والنقاشات المحتدمة في الأوساط الرسمية والشعبية على حد سواء. جاءت هذه العاصفة السياسية إثر تصريحات علنية جريئة وغير معتادة في توقيتها ومضمونها، حيث دعا روحاني صراحة إلى ضرورة الاحتكام للإرادة الشعبية واستشارة المواطنين في أي قرارات مصيرية تتعلق بإنهاء الصراعات المسلحة، منتقدًا بقوة ما وصفه بـ "سياسة الثأر المستدام" التي تتبناها تيارات متشددة في إدارة علاقات البلاد الإقليمية والدولية.
خلفيات وتداعيات خطاب روحاني: جرأة سياسية أم مناورة انتخابية متأخرة؟
تأتي تصريحات روحاني في وقت تعيش فيه إيران مخاضاً عسيراً على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، فضلًا عن الاحتقان الجيوسياسي المتصاعد في منطقة الشرق الأوسط. ولم تكن هذه التصريحات مجرد كلمات عابرة، بل جاءت لتلامس جروحاً غائرة في العقد الاجتماعي الإيراني بين تيار الإصلاحيين والمعتدل من جهة، والتيار المحافظ والمتشدد المسيطر على مفاصل القرار الاستراتيجي من جهة أخرى. إن طرح فكرة الاستفتاء الشعبي أو الحوار المجتمعي لإنهاء الحروب والنزاعات يمثل تحدياً مباشراً للمفاهيم التقليدية المتبعة منذ عقود في هيكل النظام الإيراني، والتي تحصر رسم السياسات العليا في يد الدوائر الضيقة للنظام الحاكم بعيدًا عن الشارع.
تفكيك مفهوم "الثأر السياساتي": قراءة نقدية لتوجهات المؤسسة الحاكمة
أحد أبرز المحاور التي ركز عليها روحاني في خطابه المثير للجدل هو نقده اللاذع لما أسماه "ربط السياسة بالثأر". ويقصد روحاني بذلك تلك الاستراتيجيات التي تجعل من ردود الفعل العسكرية والانتقام الأيديولوجي المحور الأساسي للسياسة الخارجية الإيرانية، على حساب المصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي. وبحسب قراءات الخبراء والمحللين الاستراتيجيين، فإن هذا الطرح يشكل تفكيكاً جريئاً للخطاب الرسمي الذي يغذي شعارات المقاومة والممانعة عبر ثقافة الثأر المستمر. يرى روحاني أن استمرار هذه السياسة يكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة بفعل العقوبات الدولية المتراكمة، ويضع البلاد في حالة حرب استنزاف دائمة تمنع أي فرصة حقيقية للتنمية والتحديث.
أزمة مضيق هرمز وإشكالية المرونة الإيرانية في الممرات المائية الاستراتيجية
لم تتوقف حدود الجدل عند الشؤون الداخلية وسياسات الرد، بل امتدت لتشمل أحد أهم الملفات الحساسة والحيوية للأمن القومي العالمي: مضيق هرمز. فقد ألمحت تصريحات روحاني وتفسيرات خصومه السياسيين إلى وجود توجه نحو إظهار مرونة أكبر في التعامل مع أمن الملاحة في هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي يمر عبره نسبة ضخمة من إمدادات النفط العالمية. إن أي تلويح بالمرونة حيال مضيق هرمز يُنظر إليه في طهران من قبل الصقور على أنه تنازل خطي عن ورقة ضغط جبارة تمتلكها إيران في مواجهة القوى الغربية، بينما ينظر إليه المعتدلون على أنه ضرورة براغماتية لفك الحصار الاقتصادي الخانق وتجنب صدور قرارات دولية مدمرة ضد البنية التحتية الإيرانية.
ردود الفعل والانقسامات السياسية الحادة داخل الأوساط الإيرانية
أثارت هذه الطروحات ردود فعل متباينة للغاية داخل المشهد السياسي الإيراني:
- تيار الصقور والمحافظون المتشددون: شنوا هجوماً ضارياً على روحاني، معتبرين أن تصريحاته تخدم الأجندات الغربية، وتضعف الجبهة الداخلية في أوقات الحروب والأزمات، وتتناقض تماماً مع ثوابت الأمن القومي الإيراني.
- التيار الإصلاحي والمعتدل: رحبوا ضمنياً أو صراحة بهذه الجرأة في طرح بدائل عقلانية، واعتبروا أن صوت العقل الذي يمثله روحاني يعبر عن نبض الشارع الإيراني المتعب من حروب الوكالة والأزمات الاقتصادية المستحكمة.
- الشارع والرأي العام: انقسمت الآراء بين متشكك في دوافع رجل شغل منصب الرئاسة لثماني سنوات ولم يفعل ما يكفي لتغيير هذه السياسات، وبين مواطن يرى في هذه التصريحات بصيص أمل نحو تغيير قد يخفف من حدة الضغوط المعيشية.
السيناريوهات المستقبلية والتداعيات الاستراتيجية
إن إثارة حسن روحاني لهذا الجدل في هذا التوقيت بالذات يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل صنع القرار في طهران، أبرزها:
- تشديد القبضة الأمنية: قد تدفع هذه التصريحات الدوائر المتشددة إلى مزيد من تقييد الشخصيات المعتدلة وإسقاط أي أصوات تدعو للحلول الدبلوماسية.
- إعادة تقييم بطيئة: رغم الرفض العلني، إلا أن الضغوط الاقتصادية الهائلة قد تجبر صناع القرار الحقيقيين على تبني مرونة ضمنية شبيهة بما دعا إليه روحاني، تفادياً لانهيار شامل.
- توسيع الفجوة بين النظام والشعب: استمرار تجاهل الدعوات الشعبية لإنهاء الأزمات قد يفاقم حالة عدم الرضا والسخط المجتمعي المستمر.
في الختام، يظل تقرير «سـارد نيوز» يؤكد أن تصريحات حسن روحاني ليست مجرد زوبعة في فنجان سياسي، بل هي مرآة تعكس صراعاً خفياً وظاهراً في عمق الدولة الإيرانية بين براغماتية البقاء وعقيدة الثأر. وسيبقى السؤال الأهم معلقاً: هل تملك المؤسسة الحاكمة القدرة على الاستماع لصوت العقل والاستفتاء الشعبي، أم أن رياح التصعيد ستستمر في العصف بأركان الاستقرار الإقليمي والدولي؟