يشهد الملف اليمني في الراهن السياسي تطورات متسارعة تضع المتابعين وصناع القرار أمام تساؤلات مصيرية بالغة الأهمية. يأتي في مقدمة هذه التساؤلات المشحونة بالقلق والتفاؤل الحذر: إلى أين يتجه التصعيد بين الحوثيين والسعودية؟ هذا التساؤل لم يعد مجرد استفسار عابر في أروقة الدبلوماسية المغلقة، بل تحول إلى عقدة رئيسية تشابكت فيها خيوط الأمن القومي العربي، واستقرار الملاحة الدولية في باب المندب والبحر الأحمر، وتوازنات القوى الكبرى في شبه الجزيرة العربية.
الجذور التاريخية والجيوسياسية للنزاع اليمني السعودي
لفهم المدى الذي يمكن أن يصله التصعيد الحالي، لابد من الغوص في الأعماق التاريخية والجيوسياسية للنزاع الممتد. لم يكن التدخل العسكري الذي قادته المملكة العربية السعودية عبر تحالف دعم الشرعية في اليمن عام 2015 مجرد ولادة لحظية، بل جاء تتويجاً لعقود من التداخل الجيوسياسي والحدودي المعقد بين الجارين. يمثل العمق الاستراتيجي اليمني بالنسبة للمملكة خط دفاع أول عن الاستقرار الخليجي، بينما تمكنت حركة أنصار الله (الحوثيون) من ترسيخ واقع عسكري وسياسي معقد على الأرض، مستفيدة من ظروف الحرب الطويلة لتطوير قدراتها العسكرية، وتحديداً في مجالات الطائرات المسيرة والصواريخ البالستية.
هذا التوازن العسكري الجديد، إلى جانب التحولات الدبلوماسية الكبرى في الإقليم -وعلى رأسها الاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية- أوجد مسرحاً سياسياً بالغ الدقة. فبينما تسعى الرياض جاهدة لخلق بيئة آمنة ومستقرة تسمح بتنفيذ رؤيتها الطموحة (رؤية 2030) ومشاريعها العملاقة، يرى الحوثيون في أي تسوية فرصة لانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية واجتماعية تشرعن وجودهم وسيطرتهم، مما يجعل طاولة المفاوضات محفوفة بالألغام الدبلوماسية والعسكرية.
المشهد العسكري والميداني: خطوط النار والهدنة الهشة
على الأرض، تتأرجح الجبهات اليمنية بين حالة "لا حرب ولا سلم" التي طبعت المشهد طوال الأشهر الماضية، ومخاوف متجددة من انهيار الهدنة والعودة إلى مربعات المواجهة الشاملة. تشير التقارير الاستخباراتية والميدانية إلى أن الطرفين يحافظان على جهوزية قتالية عالية، مع تسجيل مناوشات متقطعة على خطوط التماس في محافظات مثل مأرب، تعز، الحديدة، والضالع. إن هذا الجمود المسلح ليس سوى هدوء مخادع يسبق العواصف السياسية المحتملة.
- التهديدات المتبادلة: استمرار الخطاب التصعيدي من قبل قيادات الحوثيين والتلويح باستهداف المنشآت الحيوية الاقتصادية والنفطية في عمق الأراضي السعودية.
- الموقف السعودي: الجمع بين الاستعداد للردع العسكري الحازم وبين الانفتاح الاستراتيجي على الحلول السلمية والتسويات السياسية الشاملة.
- العسكرة البحرية: تحول السواحل اليمنية إلى بؤرة توتر دولية بفعل العمليات التي تشنها جماعة الحوثي تضامناً مع غزة، مما أضاف تعقيداً غير مسبوق على المعادلة وربط الأزمة اليمنية بأمن التجارة العالمية والطاقة.
إن هذه المعطيات الميدانية تؤكد أن الخيارات مفتوحة على مصراعيها، وأن غياب اتفاق سلام نهائي ومبرم يترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات الانفجار في أي لحظة، متأثراً بأي متغيرات إقليمية أو دولية مفاجئة.
المسار الدبلوماسي وجهود الوساطة الإقليمية
في مقابل الغليان العسكري، لم تتوقف الدبلوماسية الخلفية عن العمل. تلعب سلطنة عمان دور الوسيط التاريخي والموثوق بين الرياض وصنعاء، عبر جولات مكثفة من المباحثات التي تهدف إلى صياغة "خريطة طريق" شاملة. تتضمن هذه الخريطة في بندها الأساسي: وقفاً دائماً لإطلاق النار، صرف الرفع والرواتب للموظفين الحكوميين في مناطق سيطرة الحوثيين، فتح الموانئ والمطارات، والشروع في حوار سياسي يمني-يمني برعاية الأمم المتحدة.
لكن هذه المساعي تصطدم دوماً بعقبات جوهرية، أبرزها انعدام الثقة المتراكم منذ سنوات الحرب، وتداخل الأجندات الإقليمية، والضغوط التي تمارسها أطراف محلية أخرى تشعر بأنها مستبعدة من هذه التفاهمات الثنائية (مثل المجلس الانتقالي الجنوبي والقوى السياسية المتمسكة بالشرعية). هذا التعقيد يجعل التسوية أشبه بمسار حثيث فوق حبل مشدود، حيث تتطلب كل خطوة قدراً هائلاً من الحذر والدبلوماسية الهادئة لتجنب السقوط المدوي.
التداعيات الإقليمية والدولية على استقرار المنطقة
لا يمكن قراءة مسار التصعيد بين الحوثيين والسعودية بمعزل عن الخارطة الدولية والتوترات الجيوسياسية الكبرى. فالصراع في اليمن بات جزءاً لا يتجزأ من الأمن الإقليمي والدولي، خصوصاً مع انخراط قوى كبرى مثل الولايات المتحدة وبريطانيا في حماية الملاحة عبر تحالفات بحرية، وردها العسكري على الهجمات الحوثية في البحر الأحمر. إن أي تصعيد واسع النطاق بين الرياض وصنعاء سينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية، وخطوط إمداد النفط والغاز، وسلاسل الإمداد الدولية التي تمر عبر مضيق باب المندب، وهو ما تخشاه العواصم الغربية والآسيوية على حد سواء.
وعليه، فإن المجتمع الدولي يمارس ضغوطاً غير مباشرة لدعم الحلول السياسية، مدركاً تماماً أن استمرار النزاع في الخاصرة الجنوبية للجزيرة العربية يشكل قنبلة موقوتة تهدد السلم والأمن الدوليين، وتخلق بيئة خصبة للجماعات المتطرفة لتوسيع نفوذها واستغلال الفراغ الأمني.
السيناريوهات المستقبلية وقراءات استشرافية
بناءً على المعطيات الراهنة، تتوزع قراءات مراقبي الشأن اليمني والإقليمي بين ثلاثة سيناريوهات رئيسية ترسم ملامح المستقبل القريب والبعيد:
- سيناريو التسوية الهشة (الأرجح حالياً): استمرار حالة "لا حرب ولا سلم" مع إحراز اختراقات طفيفة في الملفات الإنسانية والاقتصادية، وبقاء المفاوضات مستمرة ببطء دون الوصول لاتفاق سلام جذري.
- سيناريو العودة إلى المواجهة الشاملة: انهيار الهدنة بسبب حادثة عسكرية مفاجئة أو فشل التفاهمات، مما يؤدي إلى تجدد الغارات الجوية والمعارك البرية وعودة التصعيد إلى مستوياته القصوى.
- سيناريو الحل الشامل والمباغت: إبرام اتفاق تسوية كبرى بدفع إقليمي ودولي، ينهي الحرب رسمياً ويبدأ مرحلة إعادة الإعمار، رغم صعوبة تحقق هذا السيناريو في ظل التعقيدات الحالية.
في الختام، يظل السؤال: إلى أين يتجه التصعيد بين الحوثيين والسعودية؟ معلقاً على إرادة الأطراف المتصارعة وقدرة الدبلوماسية الإقليمية على كبح جماح لغة السلاح. إن مستقبل اليمن والمنطقة بأكملها محكوم بمعادلة دقيقة تجمع بين الحكمة السياسية والردع العسكري، ويبقى رهان الشعوب معقوداً على تغليب صوت العقل وتجنيب المنطقة مزيداً من الويلات والدمار.