يشهد الملف الأمني والعسكري في اليمن مرحلة هي الأكثر دقة وتعقيداً منذ سنوات، وذلك على وقع تحولات جذرية في الاستراتيجيات الميدانية والسياسية. يأتي في مقدمة هذه التحولات الإعلان عن توجه استراتيجي حاسم لإنهاء الانقلاب واستعادة العاصمة التاريخية صناعة، أو بالأحرى استعادة العاصمة صنعاء، في خطوة كفيلة بإعادة رسم خرائط النفوذ وتغيير موازين القوى برمتها على الأرض. هذا الإعلان المفصلي لم يأت من فراغ، بل هو نتاج مخاض طويل من التعثرات السياسية وفشل المبادرات السلمية المتكررة، ليصبح الحسم العسكري هو الخيار الإلزامي والبوصلة الجديدة التي توجه التحركات الميدانية نحو قلب المعركة الرئيسي الذي طال انتظاره.
الخلفية السياقية والجيوسياسية: لماذا تمثل صنعاء نقطة الارتكاز الكبرى؟
تتمتع العاصمة صنعاء بوزن استراتيجي وسياسي وجيوسياسي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة تخص الشأن اليمني. فهي ليس فقط المركز الإداري والسياسي للدولة، بل هي العقدة المركزية التي تتجمع فيها كافة خيوط الصراع منذ أواخر عام 2014. إن الحديث عن قرار استراتيجي بتحرير صنعاء يعني بالضرورة تفكيك مركز الثقل الأساسي للجماعات الحوثية، وهو ما يفسر حساسية هذا القرار وخطورته البالغة. تاريخياً، شكلت المدن الكبرى والمناطق المرتفعة المحيطة بصنعاء حصناً جغرافياً عقدياً، مما يجعل أي عملية عسكرية تهدف إلى تحريرها محفوفة بالتحديات الجيومورفولوجية واللوجستية المعقدة، والتي تتطلب تخطيطاً استراتيجياً فائق الدقة، وتنسيقاً تاماً بين كافة التشكيلات العسكرية المناهضة للانقلاب، محلياً وإقليمياً.
تفكيك الموقف الميداني: طارق صالح وتأكيد وحدة مسرح العمليات
في سياق متصل، جاءت تصريحات العضو في مجلس القيادة الرئعي وقائد قوات المقاومة الوطنية، العميد طارق صالح، لترسم معالم واضحة للطبيعة العسكرية للمرحلة المقبلة. فقد شدد طارق صالح بوضوح على أن جميع الجبهات في اليمن لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، واصفاً إياها بدقة استراتيجية بأنها «مسرح عمليات واحد». هذا الطرح العسكري الرصين يمثل نقداً ضمنياً للتعامل السابق الذي اتسم أحياناً بالتجزئة والمحلية المفرطة في إدارة الجبهات. إن توحيد الرؤية والجهود بين مختلف المحاور العسكرية -من الساحل الغربي مروراً بمأرب وتعز وصولاً إلى الجوف والبيضاء- يشكل الضمانة الكبرى لنجاح أي هجوم شامل يستهدف العمق الإستراتيجي في صنعاء، حيث يمنع أي محاولات لتشتيت القوات أو استفراد الخصم بكل جبهة على حدة.
الأبعاد والتداعيات المتوقعة: نحو حرب شاملة أم إعادة تموضع استراتيجي؟
إن إعلان قرار تحرير صنعاء وتوحيد مسرح العمليات ينذر بانتقال الصراع إلى مرحلة من التصعيد العسكري الواسع، حيث تتلاشى تدريجياً الفجوات بين الخطاب السياسي والتطبيق الميداني. ويمكن قراءة التداعيات المحتملة لهذا التصعيد عبر عدة مستويات:
- المستوى العسكري والميداني: تصاعد وتيرة الاشتباكات والضربات الاستباقية في خطوط التماس المحيطة بالعاصمة، مع تفعيل آليات التنسيق المشترك بين مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية.
- المستوى الإنساني والاقتصادي: تزايد الضغوط على السكان المدنيين وسط مخاوف حقيقية من انعكاسات العمليات الكبرى على الأوضاع الإنسانية المتردية أصلاً، مما يستنفر المنظمات الدولية للتحهيز لأسوأ السيناريوهات.
- المستوى الدبلوماسي والسياسي: إعادة خلط أوراق المفاوضات الدولية، حيث تدرك الأطراف الإقليمية والدولية أن الحسم العسكري بات خياراً مطولاً على طاولة النقاش، مما قد يدفع المجتمع الدولي نحو مساعٍ مضاعفة لفرض تسوية تمنع الانفجار الشامل.
سيناريوهات المستقبل والدروس المستفادة من تجارب الصراع
استناداً إلى معطيات الواقع الراهن، تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل المشهد العسكري في اليمن. السيناريو الأول يتمثل في نجاح القوات المناهضة للانقلاب، في ظل توحيد مسرح العمليات، في إحداث اختراق جوري في الطوق الدفاعي للعاصمة صنعاء، مما يجبر الطرف الآخر على إعادة حساباته تحت وطأة الضغط العسكري الشامل. السيناريو الثاني يرتبط بحالة استنزاف طويلة ومتبادلة تتحول فيها المعركة إلى حرب استنزاف كبرى تتأثر فيها خطوط الإمداد والقدرات اللوجستية للطرفين. وفي كلتا الحالتين، يبقى الدرس الأبرز المستفاد من سنوات النزاع العجاف هو أن التشرذم العسكري وغياب الرؤية الموحدة هما أكبر عقبة أمام استعادة الدولة، وأن التكامل والانسجام العملياتي هما الشرطان الأساسيان لأي نجاح استراتيجي مستقبلي.
ختاماً، يقف اليمن اليوم على مفترق طرق حاسم وتاريخي. إن قرار تحرير صنعاء وتأكيد وحدة مسرح العمليات يعكسان رغبة حقيقية في حسم الصراع وإغلاق صفحة الانقلاب، بيد أن نجاح هذه المخططات يعتمد بشكل مطلق على مدى صلابة الجبهة الداخلية، والقدرة على إدارة التحديات اللوجستية والسياسية المعقدة بحكمة واقتدار، لضمان أن تقود هذه التضحيات الكبرى في النهاية إلى استقرار مستدام وعودة الدولة ومؤسساتها الدستورية.