في لحظة مفصلية من تاريخ اليمن المعاصر، أطلق رئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، تحذيراً هو الأشد لهجة منذ توليه مهامه، موجهاً رسالة مباشرة ومكشوفة لجماعة الحوثي بأن خيار التصعيد الذي تنتهجه الجماعة لن يمر دون تبعات استراتيجية وقانونية وتاريخية. هذا التصريح، الذي جاء في سياق تقييم شامل للمشهد اليمني، يعكس حالة من نفاد الصبر لدى السلطة الشرعية إزاء استمرار التعنت الحوثي الذي يضع البلاد على حافة الانهيار الشامل، ويحول دون أي أفق للحل السياسي السلمي الذي ينشده المجتمع الدولي.
جذور التصعيد: قراءة في العقلية الحوثية
لا يمكن فهم تصريحات العليمي بمعزل عن السياق التاريخي والجيوسياسي الذي يحيط باليمن. فجماعة الحوثي، التي تسيطر على العاصمة صنعاء منذ خريف 2014، اعتمدت استراتيجية «التصعيد الممنهج» كأداة للابتزاز السياسي. إن هذا النهج ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لعقيدة أيديولوجية ترى في الحرب وسيلة للبقاء. يرى مراقبون أن رشاد العليمي أراد من خلال رسالته الأخيرة وضع النقاط على الحروف، مؤكداً أن الدولة اليمنية لم تعد تقبل بسياسة «الغموض البنّاء» التي تستغلها الجماعة لتعزيز نفوذها العسكري على حساب معاناة ملايين اليمنيين.
الاقتصاد كرهينة: التداعيات المباشرة للسياسات العدائية
أحد أهم محاور خطاب العليمي كان التركيز على «الأمن الاقتصادي». فالحوثيون لم يكتفوا بالعمليات العسكرية، بل امتدت يدهم لتطال قوت الشعب عبر استهداف المنشآت النفطية، وفرض الجبايات غير القانونية، وتدمير العملة الوطنية. إن تحذير العليمي من «العواقب» يحمل أبعاداً اقتصادية؛ حيث تدرك الحكومة أن استمرار الحوثيين في تعطيل تصدير النفط يعني حرمان الخزينة العامة من الموارد الأساسية لدفع الرواتب وتقديم الخدمات. هذا التصعيد الاقتصادي يعتبره مجلس القيادة الرئاسي «جريمة حرب» مكتملة الأركان، تهدف إلى إخضاع المجتمع اليمني وتجويعه لضمان الولاء القسري.
اختطاف القرار الوطني والارتهان للخارج
في تحليل دقيق لمواقف الجماعة، أكد رشاد العليمي أن الحوثيين يمارسون «اختطافاً للقرار الوطني»، وهو توصيف يعكس حالة التبعية الكاملة للمشروع الإقليمي الذي تديره طهران. إن التوجيهات التي يتلقاها قادة الجماعة لا تخدم المصلحة الوطنية اليمنية، بل هي جزء من أجندة أكبر تهدف إلى تحويل اليمن إلى منصة لتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب. هذا الارتهان هو ما يفسر رفض الجماعة لكل المبادرات الأممية، بما في ذلك خارطة الطريق التي كانت قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ.
سيناريوهات المواجهة: هل اقتربت ساعة الحسم؟
تطرح تصريحات العليمي تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع: هل نحن بصدد تحول في استراتيجية الشرعية من «الدفاع» إلى «الهجوم»؟ تشير المعطيات على الأرض إلى أن مجلس القيادة الرئاسي بدأ يدرك أن سياسة «ضبط النفس» لم تعد مجدية أمام جماعة لا تؤمن إلا بلغة القوة. تتضمن السيناريوهات المحتملة:
- التصعيد العسكري المباشر: استعادة المبادرة في الجبهات المشتعلة مثل تعز ومأرب.
- الضغط الدبلوماسي المكثف: حشد المجتمع الدولي لتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية بشكل شامل.
- المواجهة الاقتصادية: اتخاذ إجراءات حازمة لضبط القطاع المصرفي ومنع تهريب الأموال التي تمول المجهود الحربي للحوثيين.
الدروس المستفادة والمسؤولية التاريخية
إن الرسالة التي وجهها رشاد العليمي ليست مجرد تصريح إعلامي، بل هي وثيقة سياسية تضع الحوثيين أمام مسؤوليتهم التاريخية. إن أي تصعيد إضافي سيؤدي حتماً إلى تآكل ما تبقى من فرص للسلام، وسيجعل من الجماعة معزولة تماماً عن محيطها العربي والدولي. إن الشعب اليمني، الذي دفع أثماناً باهظة لهذه الحرب، يتطلع اليوم إلى موقف حازم ينهي حالة «اللا حرب واللا سلم» التي استنزفت مقدرات الدولة وأنهكت النسيج الاجتماعي.
ختاماً، يظل خيار السلام هو الخيار الاستراتيجي للدولة اليمنية، ولكن ليس بأي ثمن. إن تأكيد العليمي على تحميل الحوثيين كامل العواقب هو إعلان بأن الشرعية قد استعادت زمام المبادرة في تحديد قواعد الاشتباك، وأن زمن التغاضي عن الانتهاكات قد ولى، وأن المستقبل يتطلب تكاتفاً وطنياً لمواجهة هذا المشروع الذي يهدد هوية اليمن واستقراره.