الرئيسية سياسة تقارير وتحقيقات التوغلات في القنيطرة 72 توغلاً في شهر: القنيطرة تحت الحصار ومخطط الحزام الإسرائيلي يهدد الجنوب السوري

72 توغلاً في شهر: القنيطرة تحت الحصار ومخطط الحزام الإسرائيلي يهدد الجنوب السوري

09 سبتمبر 2026
08:07 م
72 توغلاً في شهر: القنيطرة تحت الحصار ومخطط الحزام الإسرائيلي يهدد الجنوب السوري

تتسارع التطورات الميدانية في الجنوب السوري بشكل غير مسبوق، واضعة محافظة القنيطرة الحدودية في قلب عاصفة تصعيد صامت وممنهج يشنه جيش الاحتلال الإسرائيلي. وخلال شهر أغسطس/آب الماضي، سجلت المراكز الحقوقية والميدانية قفزة قياسية في معدلات الانتهاكات الإسرائيلية، تمثلت في تنفيذ أكثر من 72 توغلاً عسكرياً داخل الأراضي السورية المحررة. هذه التحركات المكثفة لم تعد مجرد مناوشات عابرة أو عمليات استطلاع روتينية، بل باتت تعكس استراتيجية قضم تدريجي للأراضي وفرض واقع ميداني جديد يهدد حياة آلاف المدنيين ويقوض السيادة السورية على طول خط فض الاشتباك.

تفكيك أرقام التصعيد: كيف جرت الـ 72 توغلاً في شهر واحد؟

لم يكن شهر أغسطس المنصرم شهراً عادياً على سكان القنيطرة، بل كان الأقسى ميدانياً منذ سنوات. فقد رصدت التقارير الميدانية تحركات مكثفة لآليات الاحتلال العسكرية، شملت جرافات ضخمة من طراز D9، ودبابات ميركافا، وعناصر من سلاح الهندسة الإسرائيلي، مدعومين بغطاء جوي مكثف من طائرات الاستطلاع المسيرة التي لم تغادر سماء المنطقة. تركزت هذه التوغلات في عدة نقاط استراتيجية على طول الشريط الحدودي، لا سيما في محيط بلدات جباتا الخشب، والرفيد، وكودنة، والحرية.

ولم تقتصر هذه العمليات على عبور السياج التقني فحسب، بل شملت جرف مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، واقتلاع مئات أشجار الزيتون المثمرة التي تشكل مصدر الدخل الرئيسي للأهالي، بالإضافة إلى إنشاء سواتر ترابية جديدة وحفر خنادق عميقة داخل الأراضي السورية بعمق يتراوح بين 100 إلى 500 متر في بعض المناطق. هذا السلوك الممنهج يشير إلى رغبة واضحة في إعادة ترسيم الحدود بحكم الأمر الواقع وتحت قوة السلاح.

الجذور الجيوسياسية: جبهة الجولان وحسابات الصراع الإقليمي

لفهم أبعاد هذا التصعيد المتسارع، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي والجيوسياسي الحاكم لمنطقة جنوب سوريا. تخضع المنطقة لـ اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 الموقعة بين سوريا وإسرائيل برعاية أممية، والتي حددت مناطق عازلة وأخرى يحظر فيها تواجد الأسلحة الثقيلة. إلا أن إسرائيل، ومنذ اندلاع الأزمة السورية، بدأت تتعامل مع هذه الاتفاقية بانتقائية شديدة، مستغلة حالة عدم الاستقرار لفرض قواعد اشتباك جديدة.

وتتحجج القيادة العسكرية الإسرائيلية في توغلاتها الأخيرة بوجود أنشطة عسكرية مشبوهة وتغلغل لمجموعات موالية لإيران وحزب الله اللبناني في القنيطرة والريف الغربي لدرعا. وتعتبر تل أبيب أن السيطرة الميدانية المباشرة على التلال الحاكمة والمناطق السهلية المحاذية للجولان المحتل هي خط الدفاع الأول لمنع تشكيل جبهة مقاومة موحدة في الجنوب السوري تحاكي جبهة جنوب لبنان.

خنق لقمة العيش: المزارعون والرعاة في مواجهة مباشرة مع الدبابات

على الصعيد الإنساني والمعيشي، تترجم هذه التوغلات العسكرية إلى مأساة يومية يعيشها سكان القرى المحاذية لخط وقف إطلاق النار. فمحافظة القنيطرة تعتمد بشكل أساسي على الزراعة ورعي الماشية كركيزتين أساسيتين للاقتصاد المحلي المنهك أصلاً بفعل سنوات الحرب الطويلة. وجاءت الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة لتطلق رصاصة الرحمة على هذه القطاعات الحيوية عبر الممارسات التالية:

  • منع الوصول إلى الحقول: بات المزارعون عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم الواقعة قرب الشريط الحدودي لجني المحاصيل أو ري الأشجار، حيث يتعرض كل من يقترب لإطلاق نار مباشر من القناصة أو الرشاشات المثبتة على الآليات الإسرائيلية.
  • استهداف الثروة الحيوانية: تعرض الرعاة لعمليات ملاحقة واعتقال متكررة، ومصادرة لقطعان الماشية تحت ذريعة تجاوز الحدود غير المرئية، مما حرم مئات العائلات من مصدر رزقها الوحيد.
  • بث الرعب النفسي: تحليق الطائرات المسيرة على ارتفاعات منخفضة وإطلاق القنابل الضوئية والصوتية ليلاً يزرع حالة من الذعر الدائم بين الأطفال والنساء في القرى الحدودية.

مخطط "الحزام الأمني" الجديد: هل تعيد إسرائيل سيناريو جنوب لبنان؟

يرى خبراء عسكريون ومحللون استراتيجيون أن الكثافة غير المسبوقة للتوغلات الإسرائيلية خلال شهر أغسطس تشير بوضوح إلى سعي إسرائيل لإنشاء "حزام أمني عازل" غير معلن داخل الأراضي السورية. هذا المخطط يعيد إلى الأذهان تجربة الشريط الحدودي المحتل في جنوب لبنان قبل عام 2000، حيث تسعى تل أبيب لإخلاء المنطقة المتاخمة لها من أي تواجد سكاني أو نشاط اقتصادي فعال، وتحويلها إلى منطقة عسكرية مغلقة بالكامل.

إن إقامة هذا الحزام لا يهدف فقط إلى حماية المستوطنات الإسرائيلية في الجولان المحتل من الهجمات الصاروخية أو عمليات التسلل، بل يمنح جيش الاحتلال تفوقاً جغرافياً واستخباراتياً يتيح له مراقبة العمق السوري حتى ريف دمشق الغربي، والتحكم في الممرات الاستراتيجية التي تربط الجنوب بالعاصمة.

المواقف الدولية والإقليمية: صمت مطبق ومهام معطلة

أمام هذا المشهد المتفجر، يبرز تساؤل ملح حول دور القوى الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها قوات مراقبة فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (UNDOF). ورغم أن مهام هذه القوات تتركز على مراقبة الالتزام باتفاقية عام 1974 وتوثيق الخروقات، إلا أن دورها بات يقتصر على تسجيل الانتهاكات وإصدار تقارير دورية ترفع لمجلس الأمن دون أي قدرة حقيقية على ردع التوغلات الإسرائيلية أو حماية المدنيين السوريين.

من جهة أخرى، يبدو الموقف الروسي -الذي كان يلعب دور الضامن للهدوء في الجنوب السوري عبر نقاط المراقبة المنتشرة- متراجعاً بشكل ملحوظ، حيث انشغلت موسكو بملفات إقليمية ودولية أخرى، مما أفسح المجال لإسرائيل لتوسيع عملياتها دون خشية من ردود فعل دولية حازمة، وسط غياب تام لأي تحرك دبلوماسي فعال لوقف هذا التغول.

رؤية استشرافية: سيناريوهات المستقبل وجبهة الجنوب المفتوحة

تبدو القنيطرة اليوم واقفة على صفيح ساخن، وأمام سيناريوهات مفتوحة على كافة الاحتمالات. السيناريو الأول يكمن في استمرار الوضع الراهن، حيث تواصل إسرائيل عمليات القضم الهادئ والتوغلات المحدودة لترسيخ الحزام الأمني دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. أما السيناريو الثاني، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في إمكانية حدوث صدام عسكري مباشر وموسع في حال قررت القوات السورية أو الفصائل الحليفة لها الرد على هذه الانتهاكات، مما قد يشعل جبهة الجنوب السوري بالكامل ويربطها بجبهات الصراع الإقليمي الأخرى.

في الختام، يبقى المواطن السوري في القنيطرة هو الحلقة الأضعف والضحية المباشرة لهذا الصراع المعقد. إن صمود الأهالي وتمسكهم بأرضهم رغم الحصار والتضييق يمثل خط الدفاع الأخير لإفشال مخططات التهجير وتغيير معالم المنطقة، مما يستدعي تسليط الضوء بشكل مستمر على هذه المأساة المنسية ودعم مقومات بقاء السكان في قراهم المحاصرة.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

عاجل وحصري

تابع «سـارد نيوز» على تيليجرام ⚡

كن أول من يعلم.. اشترك بقناتنا الرسمية لتصلك الأخبار والتغطيات العاجلة لحظة وقوعها مباشرة على هاتفك.

إعلان ممول • Ad
مساحة إعلانية مجهزة (Google AdSense)

تظهر هنا الإعلانات التلقائية والمستهدفة من شبكة جوجل الإعلانية

اقرأ أيضاً في نفس السياق

ذات صلة

آخر الأخبار

تصفح كل الأخبار
لماذا ترفض أيرلندا مواجهة إسرائيل؟ اليويفا يوضح الموقف
رياضة

لماذا ترفض أيرلندا مواجهة إسرائيل؟ اليويفا يوضح الموقف

دعا مدرب أيرلندا هالغريمسون الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) لتجنب جدولة مباريات الفريق ضد إسرائيل مستقبلاً، في خطوة تعيد فتح ملف الأمن السياسي في البطولات القارية. ما هي المعايير التي يعتمد عليها اليويفا في مثل هذه الحالات، وهل سيتغير جدول دوري الأمم؟

سـارد نيوز منذ 4 ساعات
مساعد وزير الدفاع اليمني: لماذا «فجر اليمن» مختلفة تماماً عن المعارك السابقة؟
سياسة

مساعد وزير الدفاع اليمني: لماذا «فجر اليمن» مختلفة تماماً عن المعارك السابقة؟

مساعد وزير الدفاع اليمني يؤكد أن عملية «فجر اليمن» تمثل تحولاً استراتيجياً وتكتيكياً غير مسبوق في مسار الحرب، معتمداً على دقة التخطيط والاستخبارات بدلاً من العشوائية.

د. عبد العزيز الخالدي منذ 4 ساعات
ما حقيقة سيطرة الحكومة اليمنية على باب المندب وهجومها على صنعاء؟
سياسة

ما حقيقة سيطرة الحكومة اليمنية على باب المندب وهجومها على صنعاء؟

أعلنت القوات الحكومية اليمنية عن سيطرتها الكاملة على ممر باب المندب الاستراتيجي، وشرعت فوراً في شن هجوم على العاصمة صنعاء. ما هي الدوافع وراء هذا التحرك المفاجئ، وكيف سيؤثر على مسار الصراع اليمني؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 4 ساعات
الإرياني: استعادة مضيق المندب ضرورة سيادية.. وكواليس ربط الحوثيين للمصالح بإيران
سياسة

الإرياني: استعادة مضيق المندب ضرورة سيادية.. وكواليس ربط الحوثيين للمصالح بإيران

كشفت الحكومة اليمنية عن استراتيجية دفاعية جديدة لحماية السيادة البحرية، مؤكدة أن استعادة السيطرة على مضيق المندب هي خط الدفاع الأول. ما هي الأبعاد الجيوسياسية لهذا التحرك، وكيف أثّر تدخل الحوثيين على الاقتصاد الوطني؟

د. عبد العزيز الخالدي منذ 10 ساعات