في تطور سياسي واستخباراتي لافت يعيد خلط أوراق الشرق الأوسط، كسر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب صمته المعهود حيال تفاصيل الملف النووي الإيراني، مطلقاً تصريحات نارية وصادمة تفاعل معها مراقبون حول العالم باهتمام بالغ. جاء هذا التعليق المثير على خلفية التقرير الاستقصائي البارز الذي نشرته شبكة «CNN» الأمريكية، والذي سلط الضوء بعمق على طبيعة الأنشطة المشبوهة والمتسارعة التي رصدتها أقمار صناعية تجارية وعسكرية داخل الموقع النووي الإيراني الاستراتيجي المنيع المعروف إعلامياً وعسكرياً باسم «جبل الفأس». هذه التطورات لم تكن مجرد حدث عابر في نشرات الإخبار، بل شكلت جرس إنذار مبكر يعيد إلى الواجهة سيناريوهات المواجهة والتوتر الحاد بين واشنطن وطهران، في وقت تعاني فيه الدبلوماسية الدولية من حالة موت سياسي سريري تمنع أي اختراق حقيقي للأزمة المستحكمة.
جبل الفأس.. الحصن الغامض في جغرافية إيران النووية
تعتبر منشأة «جبل الفأس» واحدة من أكثر المواقع سرية وتحصيناً وحراسة في البنية التحتية للبرنامج النووي الإيراني. تقع هذه المنشأة عميقاً في أحشاء الصخور الجبلية الوعرة، مما يجعلها منيعة بطبيعتها الجغرافية ضد الترسيان التقليدية للضربات الجوية العادية، وتحتاج إلى أسلحة استراتيجية خارقة للتحصينات مثل قنابل «مدمّرة التحصينات» (Massive Ordnance Penetrator - MOP) التي تمتلكها الترسانة الأمريكية حصراً. تشير تقارير استخباراتية متطابقة إلى أن السلطات الإيرانية عمدت خلال السنوات الأخيرة إلى حفر أنفاق عميقة وتوسيع قاعات تحت الأرض، بهدف حماية أجهزة الطرد المركزي المتقدمة وأنشطة التخصيب الحساسة من أي هجمات استباقية محتملة قد تنفذها إسرائيل أو الولايات المتحدة. هذا التحصين الهندسي المعقد جعل منشأة جبل الفأس هدفاً دائماً لهواجس الدوائر الأمنية الغربية، لا سيما مع تكرار مؤشرات الإنذار حول نقل أجزاء حيوية من البرنامج النووي إلى أعماق سحيقة يصعب مراقبتها أو استهدافها بدقة.
كواليس تقرير CNN وصور الأقمار الصناعية
جاء تقرير شبكة «CNN» مدعوماً بصور حديثة وعالية الدقة التقطتها أقمار صناعية تجارية، كشفت عن وتيرة غير معتادة من الأعمال الإنشائية وحركة الشاحنات الثقيلة والمعدات الهندسية المحيطة بمداخل الموقع. أظهرت تلك الصور عمليات حفر واسعة، واستحداث تحصينات دفاعية جديدة، وإقامة بوابات ومراكز مراقبة أمنية مشددة، وهو ما يعكس رغبة طهران الملحة في استكمال إنجاز هذا المشروع الاستراتيجي الحيوي بأقصى سرعة ممكنة. وفسر خبراء الشؤون العسكرية هذه الأنشطة بأنها محاولة إيرانية استباقية لتأمين البرنامج النووي ضد أي تصعيد محتمل، وربما تمهيداً لنقل عمليات تخصيب اليورانيوم بمستويات أعلى إلى داخل هذا الملاذ الجبلي الحصين، الأمر الذي يصعب كثيراً على مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية رصده أو تقييم مداه الفعلي، مما يضع المجتمع الدولي أمام أمر واقع تقني وعسكري بالغ التعقيد.
ترامب والعودة إلى سياسة الضغوط القصوى
في تعقيبه المثير والصادم الذي تفاعل معه الشارع السياسي الأمريكي والإقليمي، استغل دونالد ترامب تقرير «CNN» ليصوب انتقادات حادة للإدارة الأمريكية الحالية، متبجحاً بنجاح سياسة «الضغوط القصوى» التي تبناها خلال فترة ولايته عبر الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA) عام 2018 وفرض رزمة عقوبات اقتصادية خانقة على طهران. وأكد ترامب في خطاباته وتصريحاته المتلاحقة أن السماح لإيران بالوصول إلى هذه المرحلة من التطوير والتحصين يعود إلى الضعف والتراخي الدبلوماسي، مجدداً التأكيد على أنه لو استمر في السلطة لما تجرأت طهران على المضي قدماً في هذه الأنشطة الاستفزازية. هذا الخطاب التصعيدي لترامب يفتح الباب واسعاً أمام تكهنات قوية حول طبيعة السياسة التي قد تبناها في حال عودته إلى البيت الأبيض، مما يزيد من منسوب القلق الإقليمي والدولي ويضع خيارات الحرب والسلم على المحك.
التداعيات الإقليمية والدولية ومخاوف عتبة التخصيب
تتجاوز تداعيات ما يدور في منشأة «جبل الفأس» الحدود الإيرانية والأمريكية لتلقي بظلالها الثقيلة على أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط برمتها. تواجه دول الخليج العربي وإسرائيل قلقاً متصاعداً من اقتراب طهران من ما يسمى «عتبة القنبلة»، وهي النقطة الحرجة التي تملك فيها إيران كميات كافية من اليورانيوم المخصب بدرجة نقاء تقترب من الاستخدام العسكري (60% فما فوق)، مع امتلاكها للقدرة التقنية والصخرية المحصنة لحمايتها.
- تصاعد وتيرة القلق الاستخباراتي الإسرائيلي حيال نافذة العمل العسكري المتاحة لتعطيل البرنامج النووي الإيراني.
- تآكل ما تبقى من فرص إحياء المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران في ظل تشبث كل طرف بمواقفه.
- احتمالية لجوء إيران إلى إعلان عقيدة نووية جديدة متطورة في حال تعرض منشآتها لضغوط غير مسبوقة.
- تنامي التنسيق الأمني والعسكري بين عواصم المنطقة لمواجهة خطر سباق التسلح النووي المحتمل في الشرق الأوسط.
استشراف المستقبل: سيناريوهات خطرة على حافة الهاوية
في الختام، يضعنا التطور المرتبط بموقع «جبل الفأس» وتعليق دونالد ترامب المثير أمام مرحلة فارقة وحاسمة في تاريخ الصراع الدولي حول ملف طهران النووي. إن تفاعل التقارير الاستخباراتية مع الخطاب السياسي التصعيدي ينذر بدخول الأزمة في نفق مظلم يصعب الخروج منه بالطرق الدبلوماسية التقليدية. وبات لزاماً على صانعي القرار العالمي إدراك أن أي حسابات خاطئة في التعامل مع التحصينات الإيرانية الجديدة قد تفجر صراعاً إقليمياً واسع النطاق تتجاوز أضراره قطاع الطاقة العالمي والاقتصاد الدولي، مما يجعل الأيام القادمة حبلى بالمفاجآت والتحولات الجيوسياسية الخطيرة.