في مشهد دبلوماسي بالغ التعقيد والتأزم، واصلت الحكومة اليمنية الشرعية معركة إثبات الحقائق وفضح الممارسات الميدانية للمليشيات الحوثية على منبر الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، وجّه مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبدالله السعدي، طعنة دبلوماسية ناجعة في صلب الركود الدولي تجاه الأزمة، مطالباً مجلس الأمن الدولي بضرورة الاضطلاع بمسؤولياته القانونية والأخلاقية والتاريخية. لم تكن هذه الدعوة مجرد تكرار لخطابات تقليدية، بل جاءت صرخة تحذير مدوية تدعو إلى إصدار إدانة صريحة وواضحة المعالم للتصعيد العسكري المستمر الذي تنتهجه الجماعة الحوثية في مختلف الجبهات اليمنية، والتشديد على ضرورة التنفيذ الصارم والميداني لقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وفي مقدمتها حظر توريد الأسلحة للميليشيات التي باتت تهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي بشكل سافر وممنهج.
خلفيات وجذور التصعيد الحوثي: استغلال الهدن وتقويض مساعي السلام
تتطلب قراءة المشهد الراهن الغوص في الجذور التاريخية والجيوسياسية لمماطلة الجماعة الحوثية وإجهاضها المستمر لكافة المبادرات الإقليمية والدولية الرامية لإحلال السلام. فعلى مدار السنوات الماضية، تعاملت المليشيات مع الهدن الأممية والمسارات التفاوضية بوصفها استراحة محارب تهدف إلى إعادة ترتيب الأوراق، وتكديس الأسلحة، وتعزيز القدرات الهجومية بعيداً عن ضغط المعارك المباشرة. لقد أثبتت التجربة الميدانية أن الخطاب الحوثي المعلن حول السلام ينفصم تماماً عن الممارسات على الأرض، حيث تستمر المليشيات في حشد المقاتلين، وتطوير ترسانتها العسكرية من الطائرات المسيرة والصواريخ بالستية، مستفيدة من ثغرات الرقابة الدولية وضعف آليات الردع الأممية. هذا السلوك العدواني الممنهج لا يعكس فقط رغبة دفينة في حسم الصراع عسكرياً، بل يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن استمرار الحرب يشكل بيئة خصبة لبقاء ونفوذ قيادات هذه الجماعة التي تعتاش على اقتصاديات الحروب والجبايات غير القانونية، غير عابئة بالمآسي الإنسانية المتفاقمة التي ترزح تحت وطأتها ملايين الأسر اليمنية.
دلالات التوقيت: لماذا رفعت الحكومة اليمنية سقف المطالب الدبلوماسية الآن؟
يأتي هذا التحرك الدبلوماسي المكثف في توقيت بالغ الحساسية، يتسم بتعثر مأساوي في جهود إحياء المسار السلمي، وسط اتهامات رسمية وموثقة للجماعة الحوثية بتقويض جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن. إن تمسك الحكومة الشرعية، عبر بعثتها الأممية، بضرورة تطبيق عقوبات حظر الأسلحة، يمثل ركيزة استراتيجية لا غنى عنها لوقف تدفق الدعم الخارجي اللوجستي والاستخباراتي الذي يغذي آلة الحرب الحوثية. ويكتسب هذا التحرك أهمية قصوى للأسباب التالية:
- تجفيف منابع التسليح: المطالبة بتفعيل وتوسيع آليات الرقابة الدولية الصارمة على المنافذ البحرية والبرية والجوية؛ لمنع عمليات تهريب الأسلحة المتقدمة والتقنيات الإيرانية الدقيقة التي تحول اليمن إلى منصة إطلاق تهدد خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب.
- حماية المدنيين والاقتصاد: التركيز على وقف الاعتداءات المتكررة التي تستهدف البنى التحتية الحيوية، والمحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي المنهار بفعل استهداف الموانئ النفطية ومنشآت تصدير الطاقة.
- كسر الصمت الدولي: التأكيد على أن سياسة التغاضي والتهاون الدولي تمنح المليشيات غطاءً سياسياً ضمنياً للاستمرار في تعطيل الحلول السياسية وفرض واقع أمر واقع بقوة السلاح.
دور المجتمع الدولي وقرارات مجلس الأمن: بين نصوص القانون وتخاذل التطبيق
تضع الدعوة الصريحة التي أطلقها السفير عبدالله السعدي المجتمع الدولي ومجلس الأمن أمام اختبار أخلاقي وقانوني حقيقي لمدى جدية القرارات الأممية السابقة، وعلى رأسها القرار 2216. فعلى الرغم من وجود حزمة واسعة من العقوبات والقرارات الحוامية للسيادة اليمنية ووحدتها وسلامة أراضيها، إلا أن آليات التنفيذ ظلت لسنوات طويلة تعاني من البطء والقصور السياسي. إن غياب الردع الحقيقي جعل الميليشيات تتمادى في انتهاكاتها متجاوزة الحدود اليمنية إلى استهداف المصالح الحيوية في دول الجوار وتهديد التجارة العالمية. ومن هنا، فإن التحرك الدبلوماسي اليمني لا يستهدف فقط إدانة لفظية عابرة، بل يطالب بتحول جذري في التعاطي الأممي، يتحول فيه القرار السياسي إلى إجراءات عملية قابلة للقياس، تشمل فرض عقوبات مشددة على شبكات التمويل والتهريب، وملاحقة الأفراد والكيانات المتورطة في تقويض استقرار اليمن، وتوفير الدعم الحقيقي للحكومة الشرعية لتعزيز قدراتها المؤسسية والاقتصادية والأمنية.
التداعيات والسيناريوهات المستقبلية: خيارات اليمن أمام تعنت المليشيات
تتعدد السيناريوهات المحتملة لمستقبل الأزمة اليمنية في ظل التصعيد الحوثي المستمر والضغوط الدبلوماسية المتصاعدة للحكومة الشرعية. فمن جهة، يراهن المنهج الدبلوماسي على إبقاء الملف اليمني في صدارة الاهتمام الدولي، رغم تقاطع الأزمات العالمية وازدحام أجندة مجلس الأمن بملفات ساخنة كأزمة الشرق الأوسط وأوكرانيا. ومن جهة أخرى، يدرك صناع القرار في اليمن أن الاعتماد الكلي على المسار الدبلوماسي الأممي وحده قد لا يكون كافياً لردع جماعة لا تؤمن إلا بمنطق القوة، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات إعادة التموضع العسكري والاستعداد لجولة جديدة من المواجهة الشاملة في حال انهار تماماً خيار السلام المزعوم. في الختام، يظل التحدي الأكبر أمام المجتمع الدولي هو إدراك أن التساهل مع المشروع الحوثي الإقليمي لن يؤدي سوى إلى مزيد من زعزعة استقرار المنطقة وممراتها الملاحية الحيوية، مما يجعل الاستجابة الفورية للنداءات اليمنية ضرورة أمنية عالمية وليست مجرد التزام إنساني تجاه شعب يواجه أزمة منسية.