في ظل متغيّرات جيوسياسية متسارعة تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في حوض الخليج العربي والمشرق، تشهد الدبلوماسية الإيرانية حراكاً مكثفاً لافت للنظر، يسعى للتموضع بحذر وسط العواصف الأمنية المتلاحقة. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، سلسلة اتصالات دبلوماسية رفيعة المستوى شملت نظيريه السعودي الأمير فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان. يأتي هذا التحرك الدبلوماسي ليعكس إدراكاً متزايداً لدى عواصم القرار الإقليمي بضرورة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة، تحسباً لأي انزلاق كارثي قد تقود إليه الأزمات المشتعلة، بدءاً من الم,لف النووي الإيراني، مروراً بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وصولاً إلى استقرار الملاحة الحيوية في مضيق هرمز الخليجي.
خلفية التصعيد والدافع الاستراتيجي لتحركات طهران
لا يمكن قراءة الاتصالات المكثفة التي يجريها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بمعزل عن السياق الأوسع للتوترات الإقليمية المستمرة. فمنذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزة وما تبعها من تداعيات عسكرية امتدت لتشمل جبهات متعددة في لبنان واليمن وسوريا، وجدت طهران نفسها أمام معادلة أمنية دقيقة تتطلب إعادة تقييم لأدواتها الدبلوماسية. تعتمد الاستراتيجية الإيرانية الجديدة -التي تقودها حكومة الرئيس مسعود پزشکیان وجهاز دبلوماسي براغماتي- على محاولة تفكيك الاحتقان الإقليمي عبر الدبلوماسية الثنائية والمتعددة الأطراف، لا سيما مع القوى الإقليمية الكبرى كالرياض وأنقرة. إن طهران تدرك تماماً أن أي مواجهة مفتوحة أو تصعيد غير محسوب في الخليج ستكون تكلفتها الاقتصادية والسياسية باهظة للغاية على الجميع، مما يدفعها نحو البحث عن صيغ تفاهم تضمن مصالحها الحيوية وتبعد عنها شبح العزلة أو الضغوط القصوى.
أمن مضيق هرمز والملاحة البحرية: الشريان الاقتصادي للعالم
يُعد مضيق هرمز النقطة الأكثر حساسية في معادلة الأمن الإقليمي والدولي، وهو ما شكل محوراً أساسياً في مباحثات عراقجي مع كل من الجانبين السعودي والتركي. يمر عبر هذا الشريان المائي الضيق جزء هائل من إمدادات النفط والغاز العالمية، مما يجعله عصب الاقتصاد العالمي بأسره. إن أي تهديد يطال حرية الملاحة في المضيق لا ينعكس فقط على دول الخليج المنتجة، بل يمتد أثره الكارثي ليطال الأسواق الآسيوية والأوروبية على حد سواء. خلال محادثاته، شدد عراقجي على أهمية التعاون الإقليمي لحماية الممرات المائية وضمان تدفق الطاقة بلا عوائق. من جهتهما، تؤكد كل من الرياض وأنقرة مراراً على أن أمن واستقرار الملاحة البحرية خط أحمر، وأن الاستقرار الاقتصادي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى نجاح دول المنطقة في تحييد الممرات المائية عن الصراعات السياسية والعسكرية المباشرة.
الدور السعودي - التركي في هندسة الأمن الإقليمي
تكتسب المباحثات الإيرانية مع المملكة العربية السعودية وتركيا أهمية استثنائية نظراً للدور المحوري الذي تلعبه العاصمتان في تشكيل ملامح الأمن الإقليمي. فالمملكة العربية السعودية، ومن خلال مسار المصالحة الدبلوماسية مع طهران برعاية صينية، تسعى لتثبيت دعائم الاستقرار الإقليمي عبر الحوار والتنمية المتبادلة، وتغليب لغة الدبلوماسية على المواجهة، وهو ما يتسق مع رؤيتها الطموحة (رؤية 2030). وفي المقابل، تمتلك تركيا نفوذاً جيوستراتيجياً وثقلاً إقليمياً كبيراً يجعلها شريكاً أساسياً في أي معادلة تهدف إلى ضبط إيقاع التوترات في الشرق الأوسط، سواء عبر حدودها المشتركة أو من خلال شبكة تحالفاتها الواسعة. هذا المحور الثلاثي (طهران - الرياض - أنقرة) يمثل، إن وجد أرضية مشتركة، صمام أمان حقيقي ضد الفوضى والتدخلات الخارجية التي تستغل الانقسامات المحلية لتحقيق أجندات جيوسياسية بعيدة عن مصالح شعوب المنطقة.
التحديات البنيوية والعقبات أمام التسوية الشاملة
على الرغم من الأجواء الإيجابية واللغة الدبلوماسية الهادئة التي تطبع هذه الاتصالات، إلا أن مراقبين للشأن الإقليمي يشيرون إلى وجود تحديات بنوية وعميقة تقف حائلاً دون التوصل إلى تسوية شاملة ومستدامة. تتلخص هذه التحديات في:
- تباين الرؤى حول إدارة الأزمات في مناطق النفوذ المشترك كالعراق، سوريا، ولبنان، واليمن.
- استمرار المخاوف الأمنية لدى دول الخليج العربي بشأن البرنامج النووي الإيراني وأنشطة الأذرع الإقليمية لطهران.
- غياب الثقة الاستراتيجية المتراكمة لعقود طويلة، والتي لا يمكن محوها بمجرد محادثات هاتفية عابرة أو بيانات رسمية مقتضبة.
- التدخلات والضغوط الدولية المستمرة، ولا سيما من قبل الولايات المتحدة ودول غربية أخرى تسعى للحفاظ على مصالحها عبر إدارة التوتر لا حله نهائياً.
هذه العوامل تجعل من التحركات الدبلوماسية الحالية خطوات إسعافية وليست حلولاً جذرية، لكنها تظل ضرورية للغاية لإدارة الأزمات ومنع الانزلاق نحو حافة الهاوية.
السيناريوهات المستقبلية وقراءات استشرافية للوضع الإقليمي
استناداً إلى معطيات الواقع الراهن، يمكن رسم سيناريوهين رئيسيين للمستقبل القريب في المنطقة:
السيناريو الأول (الأرجح): هو استمرار سياسة "إدارة الأزمات واحتواء التصعيد"؛ حيث تحافظ إيران والسعودية وتركيا على قنوات حوار مفتوحة لتجنب الصدام العسكري المباشر، مع استمرار الخلافات السياسية تحت سقف لا يهدد الاستقرار المائي أو الاقتصادي للخليج، وهو ما يخدم رغبة الأطراف الثلاثة في التركيز على أولويات التنمية الداخلية.
السيناريو الثاني (الاحتمال الأقل): حدوث خرق دبلوماسي نوعي يفضي إلى إنشاء هيكل أمني إقليمي شامل للتعاون الجماعي في الخليج والمشرق، يضمن أمن الملاحة ويحد من سباق التسلح، وهو سيناريو يتطلب تنازلات مؤلمة وإرادة سياسية استثنائية لم تتوفر بعد بشكل كامل.
في الخلاصة، يثبت التحرك الدبلوماسي الأخير لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن لغة الحوار والتشاور المستمر مع الأطراف الإقليمية الفاعلة تبقى الخيار الأقل تكلفة والأكثر عقلانية في مواجهة الأزمات. وإن نجاح هذه المساعي أو تعثرها سيبقى مرهوناً بمدى قدرة طهران وعواصم القرار في الرياض وأنقرة على تحويل هذه الاتصالات البروتوكولية إلى شراكة أمنية واقتصادية حقيقية تحمي المنطقة من تقلبات صراعات دولية لا تأخذ في الاعتبار مصالح شعوب الشرق الأوسط.