تشهد الساحة اللبنانية والإقليمية في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ صراع الشرق الأوسط تحولات جيوسياسية وعسكرية جذرية تتجاوز بكثير قواعد الاشتباك التقليدية التي حكمت الجبهة الجنوبية لسنوات طويلة. فمع تسارع الأحداث على الأرض وتصاعد التوترات العسكرية والسياسية، تكشف التقارير الاستخباراتية والدبلوماسية المتواترة عن استراتيجية إسرائيلية جديدة ومدروسة بعناية لإعادة رسم خارطة النفوذ الأمني والعسكري في جنوب لبنان، من خلال الانتقال من مرحلة الردع المتبادل إلى فرض وقائع ميدانية دائمة ومستدامة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس تعاني فيه المنطقة من هشاشة سياسية واقتصادية بالغة، مما يجعل أي خطوة عسكرية غير محسوبة كفيلة بإشعال حرب إقليمية واسعة النطاق. ومن هذا المنطلق، باتت الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة العسكرية هناك تبحثان عن حلول جذرية تنهي إلى الأبد هاجس التهديدات الحدودية، وتحديداً ما يتعلق بقدرات حزب الله العسكرية والبنية التحتية الهجومية والدفاعية المتطورة التي بناها على مدار العقود الماضية بمحاذاة الشريط الحدودية الفاصل.
تفكيك البنية التحتية الاستراتيجية: حرب الأنفاق المعقدة تحت مرتفعات علي الطاهر
تتمثل الخطوة الأكثر خطورة وإلحاحاً في الخطط العسكرية الإسرائيلية الحالية في استهداف وتدمير مساري أنفاق رئيسيين ومتقدمين للغاية تم رصدهما مؤخراً بدقة تحت مرتفعات «علي الطاهر» الاستراتيجية. وتكتسب هذه المرتفعات أهمية بالغة لكونها تشكل عقدة ربط جغرافية وعسكرية فريدة تشرف على قطاعات واسعة من الجنوب اللبناني وشمال إسرائيل على حد سواء. إن وجود شبكة أنفاق تحت هذه المرتفعات لا يقتصر على كونه مجرد خطوط إمداد عادية، بل يمثل بحسب الخبراء العسكريين شرايين حيوية لأي عمليات هجومية محتملة.
تسعى القوات الإسرائيلية من خلال عملياتها المرتقبة إلى قطع دابر أي تحركات مباغتة، وتعقيد أي خطط هجومية قد يحاكها الطرف الآخر، وتعزيز السيطرة الميدانية الاستخباراتية والدقيقة. إن تدمير هذه الأنفاق لا يعد مجرد إنجاز تكتيكي، بل هو ضربة موجعة للبنية التحتية الاستراتيجية التي استثمر فيها حزب الله وقتاً وجهداً وموارد هائلة لتحويل جبال الجنوب إلى حصن منيع يصعب اختراقه. ويشير الخبراء العسكريون إلى أن هذه العمليات ستتطلب عمليات هندسية معقدة وغير تقليدية نظراً لطبيعة الصخور وعمق الأنفاق الممتدة تحت الأرض لمسافات شاسعة.
من الانسحاب إلى «الحزام الأمني» الجديد: استراتيجية العازلة العسكرية
وفي تحول استراتيجي ملحوظ يعكس تراجع الثقة في الترتيبات الأمنية الدولية، تشير التقديرات الدبلوماسية والاستخباراتية الموثوقة إلى أن إسرائيل تدرس بجدية بالغة استبدال سياسة الانسحاب الكامل من «الخط الأصفر» بنشر قوات عسكرية دائمة ومتحصنة في «حزام أمني» جديد يقع أقرب بكثير إلى الحدود الدولية المعترف بها. يهدف هذا التحول الجذري في العقيدة العسكرية الإسرائيلية إلى خلق منطقة عازلة فعلية وعملية تمتد داخل الأراضي اللبنانية، تكون مهمتها الأولى منع أي عمليات تسلل أو هجمات للميليشيات، والحفاظ في نفس الوقت على وجود قتالي رادع ومستدام.
وتسعى القيادة العسكرية من خلال هذا الحزام إلى تجنب الدخول في حرب استنزاف شاملة طويلة الأمد، أو تورط جديد في احتلال واسع النطاق كما حدث في اجتياحات سابقة كلفت تل أبيب خسائر باهظة بشرياً ومادياً. ومع ذلك، فإن فرض هذا الحزام يواجه تحديات ميدانية وسياسية ضخمة، أبرزها الرفض اللبناني القاطع لأي مساس بالسيادة الوطنية أو اقتطاع أجزاء من الأراضي، فضلاً عن المخاطر المستمرة التي ستواجهها القوات المنتشرة نتيجة استمرار عمليات المقاومة والضربات الموجهة ضد نقاط التمركز والثكنات العسكرية المستحدثة.
مفاوضات العاصمة الإيطالية روما: قضية النازحين رهينة المعادلة العسكرية
على المسار الدبلوماسي والسياسي، تتكثف الاتصالات الدولية واللقاءات السرية والعلنية، وآخرها ما يدور في كواليس العاصمة الإيطالية «روما»، حيث تلعب الأطراف الدولية والإقليمية دور الوسيط لبلورة تسوية مقبولة. وفي هذا السياق، ربطت الحكومة الإسرائيلية بشكل قاطع وصارم مسألة عودة مئات الآلاف من سكان القرى الحدودية المخلاة من الجانبين بنتائج المفاوضات السياسية والأمنية الجارية حالياً.
تصر إسرائيل على أن أي تفاهمات حول آلية العودة الآمنة للسكان يجب أن تخضع لضمانات أمنية صارمة وحازمة، تتيح لها حرية مراقبة الأجواء والحدود البرية، ومنع أي محاولات لإعادة التسلح أو ترميم البنية العسكرية المتضررة. هذا الربط المحكم جعل الملف الإنساني والمعيشي لمئات الآلاف من المدنيين رهينة للمعادلة العسكرية والدبلوماسية المعقدة المتغيرة. وبدلاً من أن تكون العودة حقاً إنسانيا مكفولاً، أصبحت ورقة ضغط سياسية تُستخدم لانتزاع مكاسب أمنية واستراتيجية طويلة الأمد، مما يزيد من معاناة المدنيين النازحين ويعمق أزمتهم النفسية والاقتصادية.
- رصد وتدمير مساري أنفاق استراتيجيين تحت مرتفعات علي الطاهر لتعطيل خطط الهجوم.
- إعادة التموضع العسكري من الخط الأصفر إلى حزام أمني داخلي أقرب للحدود الدولية.
- ربط عودة النازحين اللبنانيين والإسرائيليين بنتائج مفاوضات روما والضمانات الأمنية الصارمة.
- فرض واقع ميداني جديد يمنع إعادة التسلح ويضمن حرية المراقبة الاستخباراتية الإسرائيلية.
- تصاعد التحديات الجيوسياسية ومخاطر تحول الاستنزاف إلى مواجهة إقليمية شاملة.
التداعيات الإقليمية والتحديات المستقبلية: سيناريوهات الصراع المرتقب
إن الخطوات الأحادية التي تخطط لها إسرائيل في جنوب لبنان لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي الواسع والواسع جداً، فهي تأتي في ظل صراع محتدم يتجاوز الجغرافيا اللبنانية ليشمل الساحات الإقليمية المختلفة. إن محاولة فرض حزام أمني وتدمير البنية التحتية لحزب الله قد تواجه بردود فعل عنيفة ومفاجئة، مما قد يدفع المنطقة بأسرها نحو حافة الهاوية وانفجار واسع النطاق يصعب السيطرة على تداعياته.
ختاماً، تقف منطقة جنوب لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي وحرج للغاية؛ فإما التوصل إلى تسوية دبلوماسية مستدامة تعيد الاستقرار وتحفظ السيادة وتضمن عودة الآمنين إلى ديارهم، أو الانزلاق نحو سيناريو عسكري مدمر يكرس احتلالاً مقنعاً وحزاماً أمنياً دموياً، مما يفتح الباب أمام جولة جديدة من العنف والدمار التي ستدفع ثمنها باهظاً كافة شعوب المنطقة دون استثناء.