تخوض الدولة اللبنانية، ممثلة في مؤسساتها الدبلوماسية والعسكرية، مخاضاً سياسياً واستراتيجياً هو الأشد تعقيداً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، حيث تدور في كواليس العاصمة بيروت مباحثات حثيثة ومكثفة تركز بشكل أساسي على رسم ملامح المرحلة المقبلة في جنوب البلاد، وتحديداً ما يتعلق بمصير ومستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة العاملة في لبنان (اليونيفيل). يأتي هذا الحراك في ظل تقاطعات إقليمية ودولية بالغة الحساسية، تفرض على صناع القرار في بيروت التحرك بحذر بالغ لتفادي أي فراغ أمني قد تفرضه التطورات الميدانية المتسارعة، بالتزامن مع ضغوط دولية متزايدة لإعادة هندسة المشهد الأمني في منطقة جنوب نهر الليطاني.
وتستند المباحثات الحالية إلى قراءة واقعية للمتغيرات الجيوسياسية التي فرضتها المواجهات الأخيرة، والتي أظهرت حاجة ملحة لتقييم مدى فاعلية الأدوات الدولية التقليدية في فرض الاستقرار ومنع التصعيد. وتؤكد مصادر دبلوماسية مطلعة أن الحكومة اللبنانية تجري اتصالات مكثفة ومشاورات مغلقة مع عدد من العواصم الفاعلة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي، لاستكشاف صيغ بديلة أو معدلة تضمن استمرار المظلة الدولية دون المساس بالسيادة الوطنية، ودون أن تتحول هذه القوات إلى طرف في معادلات الاشتباك المحلية أو الإقليمية.
الخلفيات التاريخية والسياق الاستراتيجي لوجود اليونيفيل
تعود جذور الوجود الدولي في جنوب لبنان إلى القرار الأممي الشهير رقم 425 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في عام 1978 إثر الاجتياح الإسرائيلي الأول، وتوسعت مهام هذه القوات وصلاحياتها بشكل جوهري عقب حرب تموز في عام 2006 بموجب القرار الدولي رقم 1701. لقد شكلت قوات اليونيفيل طيلة العقود الماضية صمام أمان نسبياً في منطقة عملياتها، حيث لعبت دوراً محورياً في تخفيف التوتر، والقيام بدوريات مشتركة مع الجيش اللبناني، وتوثيق الخروقات والانتهاكات الميدانية.
وعلى الرغم من الدور الحيوي الذي لعبته هذه القوات، إلا أنها تعرضت مراراً لانتقادات متباينة من مختلف الأطراف؛ فبينما رأت إسرائيل أن القوات فشلت في منع تعزيز القدرات العسكرية لحزب الله، اعتبر الجانب اللبناني أن الصلاحيات الممنوحة لليونيفيل والمقيّدة بالتنسيق الدائم مع الجيش اللبناني تعكس احتراماً للسيادة الوطنية، لكنها في الوقت ذاته تبقيها عرضة للعجز عن منع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة. اليوم، ومع التبدلات الجذرية في المشهد العسكري والأمني، يبدو أن صيغة الوجود التقليدي لليونيفيل باتت بحاجة ماسة إلى إعادة تقييم جذري، مما فتح الباب أمام سيناريوهات ومقترحات غير مسبوقة.
سيناريوهات ملء الفراغ الأمني: بين القوة الأوروبية والبدائل الأممية
تتداول الدوائر الدبلوماسية والأمنية ثلاثة مسارات رئيسية كبدائل محتملة لمرحلة ما بعد اليونيفيل التقليدية، وكل مسار يحمل في طياته تعقيدات سياسية وأمنية هائلة:
- خيار نشر قوة أوروبية مستقلة: يدرس بعض الحلفاء الغربيين فكرة تكليف تحالف من الدول الأوروبية بنشر قوة عسكرية متخصصة في جنوب لبنان خارج الإطار التقليدي للأمم المتحدة، بهدف توفير مرونة أكبر في اتخاذ القرار وسرعة في الحركة، إلا أن هذا الخيار يصطدم بعقبات كبرى تتعلق بمدى قبول الأطراف المحلية وفي مقدمتها حزب الله، فضلاً عن مخاوف الدول الأوروبية من الانخراط في مستنقع أمني وعسكري مفتوح بلا أفق سياسي واضح.
- صيغة الحضور الأممي الهجين: تقوم هذه الفكرة على إعادة هيكلة الوجود الأممي عبر تشكيل بعثة دولية جديدة تحت مظلة الأمم المتحدة وبصلاحيات معدلة تتماشى مع متطلبات الردع والمراقبة الحديثة، مستفيدة من التكنولوجيا المتقدمة والمسيّرات، مع الحفاظ على الغطاء الشرعي الأممي الذي يمنحها قبولاً أوسع نسبياً مقارنة بالقوات الثنائية.
- آلية التحقق والرقابة الدولية المتقدمة: يتركز هذا الطرح حول الاستغناء عن القوات المقاتلة الكبرى والاعتماد على هيئة دولية متخصصة ومصغرة تركز بالكامل على مراقبة ورصد الالتزامات العسكرية والأمنية والتحقق من تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق النار، وهو خيار يثير تساؤلات عميقة حول قدرته على توفير الردع الفعلي على الأرض في حال اندلاع أي مواجهة جديدة.
هذه المسارات لا تزال في مرحلة الججس والنقاش المفتوح، وتغلفها ضبابية شديدة فيما يتعلق بتحديد الدول التي ستتحمل المسؤولية الميدانية والمالية، ونطاق الاشتباك المسموح به لهذه القوات.
التحديات الميدانية والمواقف الرسمية: موازنة السيادة والضرورات الأمنية
في تصريحات رسمية تعكس حرص الدولة على السيادة الوطنية، شدد مسؤولون لبنانيون كبار على أن أي نقاش حول مستقبل القوات الدولية في الجنوب يجب أن ينطلق من ثوابت أساسية لا يمكن التنازل عنها، أبرزها عدم المساس بسيادة لبنان على أرضه ومياهه وأجوائه، والتأكيد على الدور المركزي والمحوري للجيش اللبناني باعتباره الضامن الأساسي للاستقرار بالتعاون والتنسيق الوثيق مع أي شريك دولي.
وتواجه هذه المباحثات تحديات ميدانية جسيمة على الأرض، تتمثل في حجم الدمار الهائل الذي لحق بالقرى والمدن الحدودية، وتعقيدات عملية عودة النازحين، فضلاً عن استمرار الخروقات الإسرائيلية اليومية التي تختبر مدى فاعلية أي ترتيبات أمنية جديدة. وترفض بيروت أي صيغة قد تُفسر على أنها انتداب مقنع أو تعدٍ على صلاحيات الجيش اللبناني، مشددة على أن أي قوة بديلة يجب أن تكون مهمتها الأساسية دعم الجيش اللبناني وتمكينه من بسط سلطته الكاملة على كامل التراب الوطني وفقاً لقرارات الشرعية الدولية.
التداعيات الاستشرافية والسيناريوهات المستقبلية لجنوب لبنان
إن حسم مصير القوات العاملة في جنوب لبنان لن يكون مجرد قرار إداري أو لوجستي عابر، بل سيشكل محطة مفصلية ترسم معالم الاستقرار الإقليمي لسنوات طويلة قادمة. فالتوصل إلى صيغة متوازنة تحظى بغطاء وطني وإقليمي ودولي واسع من شأنه أن يرسخ قواعد استقرار مستدامة تفتح الباب أمام إعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية المنشودة في الجنوب.
في المقابل، فإن الفشل في التوافق على صيغة بديلة مقبولة من كافة الأطراف قد يفتح الباب على مصراعيه أمام فراغ أمني خطير، ينذر بتجدد التوترات وانهيار التفاهمات هشّة البناء، مما يجعل المنطقة بأسرها على صفيح ساخن. وفي الختام، يبقى رهان لبنان الحقيقي معقوداً على صلابة موقفه الدبلوماسي وقدرته على حماية سيادته الوطنية بالتوازي مع استثمار الحاجة الدولية والإقليمية الملحة لعدم انزلاق الجبهة الجنوبية مجدداً نحو حافة الهاوية.