تشهد الساحة السياسية الفلسطينية في هذه المرحلة الفارقة من تاريخ القضية ص2024 وما بعدها، هزات واختبارات متجددة لا تقل خطورة عن التحديات الخارجية التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني. وفي قلب هذه الاختبارات، يبرز ملف انتخاب ممثلي الجاليات الفلسطينية في الخارج، ولا سيما في بعض الدول العربية الحيوية، ليتحول إلى بؤرة توتر سياسي وقانوني جديدة. لم تعد هذه الآليات مجرد إجراءات تنظيمية عادية لإدارة شؤون المغتربين، بل غدت مرآة عاكسة للخلافات البنيوية العميقة بين القوى والفصائل الفلسطينية، وكشف النقاش المحتدم الأخير عن حجم الفجوة القائمة في الرؤى المتعلقة بمفهوم الشراكة الوطنية، وآلية اتخاذ القرار، ومشروعية تمثيل الشعب الفلسطيني خارج الوطن المحتل.
جذور الأزمة: أبعاد الشتات الفلسطيني وأهمية الجاليات الاستراتيجية
لإدراك خطورة السجال الدائر حول آليات الانتخاب والتمثيل، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية والجيوسياسية للشتات الفلسطيني. منذ نكبة عام 1948 وما تلاها من محطات تهجير، شكلت الجاليات الفلسطينية في الدول العربية ودول العالم المختلفة ظهيراً شعبياً ونضالياً استراتيجياً للحركة الوطنية الفلسطينية. لقد كانت هذه الجاليات خزاناً بشرياً ومالياً ودبلوماسياً دافع عن الهوية وساهم في ابتكار أشكال الكفاح المختلفة. وفي ظل تعثر مسار منظمة التحرير الفلسطينية والمؤسسات الرسمية في إجراء انتخابات عامة شاملة للمجلس الوطني الفلسطيني منذ عقود، أصبحت المجالس والجاليات المحلية في الشتات هي النافذة شبه الوحيدة المتاحة لتمثيل التجمعات الفلسطينية الكبرى في الخارج.
ومع تراجع دور الأطر التقليدية وغياب مظلة تشريعية واحدة توافقية، سعت الجهات الرسمية ذات الصلة إلى صياغة آليات إدارية وانتخابية جديدة لتنظيم هذه الجاليات. بيد أن هذه المحاولات اصطدمت فوراً بحائط مسدود تمثل في غياب التوافق المسبق، مما أدى إلى اتهامات متبادلة بالتفرد والإقصاء، وبروز الخلافات إلى سطح الأحداث بصورة حادة تنذر بعواقب وخيمة على وحدة الخطاب الفلسطيني في الخارج.
أسباب المعارضة: تقاطع الحسابات السياسية والإشكالات القانونية
استندت القوى والفصائل المعارضة لآليات الانتخاب الأخيرة إلى جملة من الدوافع والأسباب التي يمكن تصنيفها في مستويين رئيسيين: أولاً، أسباب سياسية ترتبط بتوازن القوى وهيمنة طرف أو اتجاه سياسي معين على مفاصل القرار التنظيمي، مما يهمش القوى الأخرى ويفرز مجالس تمثيلية لا تعكس الحجم الحقيقي والتنوع الفكري والسياسي للجالية المعنية. وتخشى هذه الفصائل من أن تؤدي هذه الطريقة إلى خلق شرعيات مصطنعة تستخدم لاحقاً في تمرير قرارات كبرى بمعزل عن إرادة المجموع الوطني.
ثانياً، أسباب قانونية ومؤسسية تتعلق بمدى دستورية وشرعية اللوائح التي أُجريت بموجبها هذه الانتخابات. وترى المعارضة أن القوانين والأنظمة الناظمة لعمل الجاليات يجب أن تنبثق عن مؤتمرات وطنية عامة يشارك فيها الجميع، وليس عن قرارات فوقية تفتقر إلى النصاب القانوني أو التوافق الوطني الشامل. هذه الإشكاليات أفرزت حالة من الطعن المتبادل في شرعية النتائج، ووضعت الجاليات في مهب التجاذبات الحزبية الضيقة بدلاً من أن تكون جسراً للتواصل والتوحد.
تداعيات الانقسام المؤسسي: هل نعود إلى مربع الاحتراب الداخلي؟
يحذر المراقبون والمحللون الاستراتيجيون من أن استمرار هذا الجدل العقيم حول آليات انتخاب الجاليات قد يفتح الأبواب واسعة أمام تداعيات كارثية على النسيج الوطني الفلسطيني. إن نقل عدوى الانقسام السياسي والجغرافي الداخلي إلى الساحات الخارجية والشتات، يعني بوضوح تدمير آخر القلاع الحية للتضامن والعمل المشترك. وتبرز أهم التداعيات المحتملة في النقاط التالية:
- تعميق الشرخ الوطني وإضعاف الموقف الفلسطيني العام في المحافل الدولية ودول الشتات التي تحتضن هذه الجاليات.
- فقدان الثقة الشعبية في أي مسار مستقبلي لإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية أو مؤسساتها التمثيلية.
- استنزاف طاقات الشباب والكفاءات الفلسطينية في المهجر في صراعات حزبية وفصائلية لا طائل من ورائها.
- إتاحة الفرصة لأطراف إقليمية ودولية للتدخل في الشؤون الداخلية الفلسطينية عبر استغلال هذه التباينات.
نحو استراتيجية بديلة: اختبار حقيقي للقيادة الفلسطينية
إن الأزمة الحالية ليست قدراً محتوماً، بل هي فرصة موضوعية واختبار حقيقي لقدرة القيادة الفلسطينية ومختلف القوى الحية على تحمل مسؤولياتهم التاريخية. إن إدارة التباينات الداخلية وتحويلها من مصدر صراع إلى قوة دافعة نحو إصلاح البيت الداخلي تتطلب شجاعة سياسية وإرادة وطنية جامعة. ولا يمكن لأي آلية انتخابية أن تنجح أو تحظى بالشرعية ما لم تكن وليدة حوار وطني شامل، شفاف، ومبني على قواعد الديمقراطية والتوافق.
في الختام، إن استشراف المستقبل للمشهد الفلسطيني في الخارج يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى استعداد الجميع لتقديم تنازلات متبادلة لصالح المصلحة العليا للشعب الفلسطيني. إن نجاح التوصل إلى صيغة توافقية مقبولة لإدارة انتخابات الجاليات سيكون بمثابة مؤشر إيجابي وحاسم على جاهزية القيادة والقوى لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية الكبرى القادمة، بينما الاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع سيقود لا محالة إلى مزيد من التآكل في البنيان الوطني الفلسطيني المترهل أصلاً.