ترددت أصداء انفجارات في محيط مطار عدن مساء الجمعة، في تصعيد يعيد العاصمة اليمنية المؤقتة إلى قلب المشهد، بعدما أعلنت وسائل إعلام تابعة للحوثيين استهداف ما وصفتها بـ«مقر قيادة للقوات السعودية» في المحافظة الساحلية. وبحسب ما أوردته سكاي نيوز عربية، يأتي هذا التطور بعد يوم واحد فقط من هجوم صاروخي حوثي على قصر معاشيق الرئاسي، الذي تتخذه الحكومة اليمنية مقراً مؤقتاً، وأسفر عن مقتل خمسة أشخاص وإصابة ستة عشر آخرين وفق حصيلة رسمية أعلنها وزير الصحة. وحمل رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، في منشور على منصة «إكس»، وصف «الاستهداف الجبان» لهذا الهجوم، مؤكداً أن حكومته «لن ترهبها هذه الاعتداءات أو تثنيها عن المضي في معركة فجر اليمن وصولاً لاستعادة مؤسسات الدولة».
ولم تصدر حتى الآن أي حصيلة رسمية عن انفجارات مطار عدن، فيما لم تؤكد جهة مستقلة صحة الرواية الحوثية بشأن استهداف مقر قيادة سعودية، وهي رواية تندرج في لغة تصعيدية يوظفها الحوثيون منذ سنوات في الإعلان عن عملياتهم.
48 ساعة على وقع الصواريخ: كيف تسلسلت الضربات على عدن؟
انطلق التسلسل ظهر الخميس بصواريخ استهدفت مجمع قصر معاشيق الرئاسي في عدن، حيث كان رئيس الوزراء شائع الزنداني داخل المبنى لحظة القصف. ووفق رواية وزير في الحكومة اليمنية تحدث إلى وكالة فرانس برس طالباً حجب هويته، استُهدف مركز لقيادة قوات الحكومة داخل المجمع بثلاثة صواريخ، بينما استُهدف مركز ثانٍ بصاروخين، أي خمسة صواريخ في الهجوم الواحد بموجب هذه الرواية.
وبعد أقل من يوم، ترددت أصداء انفجارات جديدة في محيط مطار عدن، المرفق الجوي الذي يعد البوابة الرئيسية للمحافظة والمنفذ الأول لمسؤولي الدولة والوفود الدولية إليها. وفي الوقت نفسه، نشر المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، عبر تطبيق «تلغرام» إعلاناً عن «قصف مقر العمليات الحربية للعدو السعودي في عدن»، وهو التوصيف الذي يكرره الخطاب الحوثي منذ بداية الحرب لإضفاء شرعية على استهداف المواقع داخل المدن اليمنية.
من قصر معاشيق إلى مطار عدن: لماذا تبقى رموز الدولة هدفاً ثابتاً؟
يقع قصر معاشيق الرئاسي في مدينة عدن، وقد تحول بعد 2015 إلى المقر المؤقت لإدارة الدولة اليمنية بعد أن فقدت الحكومة سيطرتها على العاصمة صنعاء. ومنذ ذلك الحين، صار المجمع الرئاسي ومطار عدن الدولي رمزين للسلطة التنفيذية، ولذلك يتكرر استهدافهما في كل جولة تصعيد تقريباً.
وليس هذا أول هجوم على المطار؛ ففي نهاية ديسمبر 2020، تعرض مطار عدن لضربات صاروخية لحظة وصول أعضاء الحكومة اليمنية الجديدة حينها، ما أوقع قتلى وجرحى وأحدث صدمة في المشهد السياسي. وقبل ذلك، وتحديداً في 2019، سلّم التحالف بقيادة السعودية عدداً من قواعده في عدن تدريجياً إلى القوات اليمنية، ما جعل الملف الأمني في المدينة أكثر تعقيداً، وحوّل عدن إلى ساحة مفتوحة لتجاذبات متعددة. ويُضاف إلى ذلك أن الحوثيين طوروا خلال سنوات الحرب قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة تتيح لهم استهداف المدن البعيدة عن مناطق سيطرتهم، وهو ما يفسّر تكرار الإعلانات عن عمليات في عدن جنوباً.
الأرقام التي تختصر حجم التصعيد في عدن
- 5 قتلى و16 مصاباً: هي الحصيلة الرسمية المعلنة لقصف قصر معاشيق، وهي حصيلة تتجاوز في طبيعتها استهداف المباني لتطال بشراً كانوا داخل المجمع، ما يرفع سقف الانتقاد المحلي والدولي.
- ثلاثة صواريخ على مركز قيادة وصاروخان على مركز آخر: توزيع الضربات يشير إلى عملية مخططة مسبقاً استهدفت منشآت عسكرية وإدارية في آن، لا ضربة عابرة.
- إجمالي خمسة صواريخ في هجوم واحد: وهو رقم مؤشر على حجم المخزون الذي لا يزال الحوثيون قادرين على استخدامه ضد أهداف بعيدة المدى.
- أكثر من 200 ألف نازح: رقم أعلنته المنظمة الدولية للهجرة، غالبيتهم العظمى منذ الأول من سبتمبر، وهو مؤشر مباشر على أن التصعيد العسكري يترجم سريعاً إلى حركة نزوح جماعية.
ودلالة هذه الأرقام لا تقف عند الحصيلة المباشرة، بل في توقيتها؛ فاستهداف مقر الحكومة يقع في لحظة حساسة يشهد فيها اليمن تذبذباً في ملفات إنسانية وسياسية معقدة، ما يجعل كل ضربة قادرة على تعطيل مسارات كان يُفترض أنها تسير ببطء نحو التهدئة.
«لن ترهبها هذه الاعتداءات»: ما الذي تقوله رسائل الزنداني؟
لم يكن رد رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني عسكرياً بل خطابياً بالدرجة الأولى، إذ اختار منصة «إكس» لتوجيه رسالة مزدوجة: تنديد داخلي بالاستهداف، وتطمين خارجي بأن الحكومة ماضية في ما يسميه «معركة فجر اليمن». وتكشف صياغته عن تركيز على ثلاث نقاط: أن الاستهداف لن يوقف عمل الحكومة، وأن هدفها المعلن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، وأنها تسعى إلى بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.
ويُقرأ هذا الرد أيضاً في سياق حساسية الموقع المستهدف؛ فوجود الزنداني داخل القصر لحظة القصف، ونزوله من الحادث دون أذى بحسب الوزير الذي تحدث لفرانس برس، يمنح الرواية الحكومية بعداً رمزياً يريد أن يقول إن مؤسسة الرئاسة لم تُخترق رغم القصف.
200 ألف نازح ونقص تمويل: الثمن الإنساني للجولة الجديدة
إلى جانب الحصيلة البشرية المعلنة، يحمل التصعيد بعداً آخر أكثر اتساعاً. فالنزوح الذي طال أكثر من مئتي ألف شخص في الفترة الأخيرة، بحسب تقديرات المنظمة الدولية للهجرة، لم يكن متساوياً في توزيعه؛ إذ تركز الجزء الأكبر منه في غضون أسابيع قليلة، وهو ما يعكس هشاشة استجابة الطوارئ وقدرة السكان على التحمل في وقت واحد.
وتصف المنظمة الدولية للهجرة وتيرة هذه الأزمة بأنها مقلقة، في ظل نقص التمويل المخصص للاستجابة للاحتياجات الإنسانية، وهو نقص يعني أن أعداداً جديدة من النازحين ستضاف إلى أعداد قديمة لم تُعالج احتياجاتها بعد. عملياً، يعني استمرار القصف في عدن أن مسار المساعدات نفسه سيتعرض لضغط؛ فالمدينة ليست ساحة نزاع فحسب، بل هي مركز لوجستي تصل عبرها الإمدادات إلى محافظات أخرى.
وماذا بعد؟ سيناريوهات تنتظر عدن
- سيناريو الاحتواء المؤقت: أن تقتصر الجولة على ضربات متبادلة ومحدودة، تعقبها رسائل سياسية عبر الوسائل نفسها، دون تغيير في الجغرافيا الميدانية الحقيقية.
- سيناريو التصعيد الممتد: تكرار هجمات الحوثيين عدن اليوم واستهداف منشآت حيوية جديدة، ما يضع المطار مجدداً أمام احتمال التوقف الجزئي وتضاعف حركة النزوح.
- سيناريو حرج: أن يقع ما هو أسوأ من إصابة عابرة، أي استهداف يطال أسماء في الصف الأول من الحكومة، وهو أمر يبقى وارداً ما دام القصر وسيلة ضغط متكررة.
ما يرجّح كفة أي سيناريو ليس حجم الصواريخ وحده، بل قواعد الاشتباك المتبعة من كل طرف؛ فالتصعيد الإعلامي الحوثي يستبطن تدقيقاً في اختيار الأهداف واللغة، في حين تعتمد الحكومة على الخطاب السياسي والمنصات الرقمية بدل موقف عسكري مباشر ومعلن.
أسئلة شائعة
- ما الذي حدث في عدن اليوم؟ ترددت أصداء انفجارات في محيط مطار عدن، وأعلنت وسائل إعلام تابعة للحوثيين استهداف مقر قيادة للقوات السعودية، دون صدور حصيلة رسمية أو تأكيد مستقل حتى الآن.
- ما حصيلة قصف قصر معاشيق؟ خمسة قتلى وستة عشر مصاباً، بحسب ما أعلنه وزير الصحة في الحكومة اليمنية.
- كم صاروخاً استُخدم في الهجوم على القصر؟ ثلاثة صواريخ على مركز لقيادة القوات الحكومية داخل المجمع، وصاروخان على مركز آخر وفق رواية وزير تحدث لفرانس برس.
- هل كان رئيس الوزراء شائع الزنداني في المقر لحظة القصف؟ نعم، أفاد الوزير نفسه بأنه كان موجوداً داخل مبنى قصر معاشيق ساعة الهجوم، لكنه لم يصب بأذى.