عاد ملف العلاقة بين السعودية والإمارات في اليمن إلى دائرة الضوء مجدداً، بعد أن أعاد تقرير لـ«DW» طرح سؤال قديم جديد: هل نشهد عودة تحالف سعودي-إماراتي علني في اليمن، أم أن ما يجري هو إعادة توزيع أدوار بين الرياض وأبوظبي؟ السؤال ليس ترفاً تحليلياً، بل يلامس بنية الصراع اليمني الممتد منذ سنوات، وخرائط النفوذ في الجنوب والشمال، ومستقبل أي تسوية سياسية محتملة. فبعد أن كان التحالف العربي في 2015 جبهة واحدة تقودها الرياض بمشاركة إماراتية بارزة، تحولت العلاقة لاحقاً إلى تنسيق معقد، تتداخل فيه الأولويات الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية، ما يجعل أي حديث عن «عودة التحالف» بحاجة إلى تدقيق.
لماذا يعود سؤال التنسيق السعودي-الإماراتي إلى الواجهة الآن؟
لا يمكن فهم عودة هذا السؤال بمعزل عن التحولات التي شهدها الملف اليمني خلال السنوات الماضية. فالسعودية تتعامل مع اليمن كعمق استراتيجي مباشر وتهديد أمني على حدودها الجنوبية، بينما تنظر الإمارات إلى الملف من زاوية النفوذ البحري والموانئ والملفات الجنوبية. هذا التباين في الزوايا لم يمنع التنسيق في كثير من المحطات، لكنه خلق أيضاً مناطق تنافس صامت، خصوصاً في عدن والمكلا والمثلث الجنوبي.
عندما يطرح سؤال «عودة التحالف أم تقاسم الأدوار؟»، فذلك يعني أن هناك مؤشرات جديدة على تحريك هذا الملف، أو على الأقل إعادة قراءته في ضوء المتغيرات الإقليمية. لكن غياب التفاصيل الرسمية يترك المجال مفتوحاً لثلاث قراءات: أولها أن الرياض وأبوظبي تريدان إعادة تثبيت جبهة مشتركة أمام الحوثيين، وثانيها أن كل طرف يسعى إلى تثبيت مكاسبه في مناطق نفوذه، وثالثها أن الأمر مجرد تنسيق تكتيكي لا يرقى إلى تحالف كامل.
خلفية الصراع: من «عاصفة الحزم» إلى تقاسم النفوذ
لفهم المشهد، لا بد من العودة إلى عام 2015، حين أطلق التحالف العربي بقيادة السعودية عملية عسكرية في اليمن تحت اسم «عاصفة الحزم»، بمشاركة إماراتية فاعلة. في تلك المرحلة، كانت الصورة تبدو وكأنها تحالف موحد لمواجهة الحوثيين واستعادة الشرعية. لكن مع طول أمد الحرب، بدأت الفروق تظهر: السعودية ركزت على الجبهات الحدودية ودعم الحكومة المعترف بها، بينما ركزت الإمارات على الجنوب والساحل الغربي والموانئ، وبنَت علاقات قوية مع قوى جنوبية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي.
في عام 2019، تراجعت القوات الإماراتية بشكل كبير عن المشاركة المباشرة في المعارك، لكن نفوذ أبوظبي ظل حاضراً عبر الدعم السياسي والعسكري للفاعلين الجنوبيين. وفي العام نفسه، شهدت عدن مواجهات بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية، ما كشف عمق الانقسام داخل معسكر التحالف. لاحقاً، جاء اتفاق الرياض عام 2019 لترتيب العلاقة بين الطرفين، ثم تراجع الصراع العسكري الواسع مع هدنة الأمم المتحدة عام 2022، لكن التوترات ظلت كامنة.
- 2015: انطلاق التحالف العربي بمشاركة سعودية وإماراتية واسعة، في محاولة لوقف تقدم الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة.
- 2019: تراجع الوجود العسكري الإماراتي المباشر، مع تصاعد نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي في عدن والمناطق الجنوبية.
- 2022: هدنة أممية طويلة نسبياً قلّصت العمليات العسكرية الواسعة، لكنها لم تحلّ ملفات النفوذ والانقسام الداخلي.
هذه المحطات تفسر لماذا يصبح سؤال «عودة التحالف» معقداً: فالأطراف لم تعُد كما كانت في 2015، كما أن الحكومة اليمنية المعترف بها لم تعد تسيطر على كل الجغرافيا، والمجلس الانتقالي أصبح لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي ترتيب جنوبي.
التفاصيل والأرقام: ما تقوله المؤشرات بدل البيانات الرسمية
لا يتضمن التقرير الأصلي أرقاماً جديدة أو بيانات رسمية عن حجم التنسيق الحالي، لكن قراءة المؤشرات المتاحة تظهر أن الحديث عن «عودة التحالف» لا يقوم على إعلان رسمي، بل على تحولات في لغة الخطاب وحركة الوسطاء وترتيبات أمنية محتملة. وفي غياب الأرقام، تبقى الخريطة السياسية هي المقياس الأهم: من يسيطر على الموانئ؟ من يدير الملف الأمني في عدن؟ من يملك القدرة على تحريك القوى المحلية؟
- السعودية: تضع أمن الحدود ومنع تهديد الحوثيين في مقدمة أولوياتها، وتدعم الحكومة الشرعية كإطار سياسي، لكنها تتعامل أيضاً مع قوى قبلية وعسكرية في الشمال والشرق.
- الإمارات: تركز على الجنوب والموانئ والملفات البحرية، وتمتلك نفوذاً عميقاً عبر المجلس الانتقالي وقوى جنوبية أخرى، ما يمنحها ورقة ضغط دائمة.
- الحكومة اليمنية: تحاول الحفاظ على شرعيتها وتمثيلها الدولي، لكنها تجد نفسها بين ضغوط الرياض وأبوظبي من جهة، وتمدد الحوثيين من جهة أخرى.
- الحوثيون: يظلون الطرف الذي يحدد إيقاع كثير من الصراعات، وأي تنسيق سعودي-إماراتي سيُقاس بقدرته على تغيير موازين القوى الميدانية.
هذه المعطيات تدفع إلى خلاصة أولية: أي «عودة تحالف» لن تكون نسخة مكررة من 2015، بل صيغة جديدة تعكس موازين القوى الحالية، وقد تكون أقرب إلى تقاسم مناطق النفوذ من العودة إلى قيادة عسكرية موحدة.
التحليل: سيناريوهات العلاقة بين الرياض وأبوظبي
ثمة ثلاثة سيناريوهات رئيسية تشرح عنوان «عودة التحالف أم تقاسم الأدوار؟». السيناريو الأول هو عودة التنسيق العلني: إذا قررت الرياض وأبوظبي تجاوز خلافاتهما، ولو مؤقتاً، للضغط على الحوثيين أو لإنجاز ترتيب سياسي في الجنوب. هذا السيناريو قد يمنح الحكومة الشرعية دفعة، لكنه يصطدم بمطالب المجلس الانتقالي الانفصالية.
السيناريو الثاني هو تقاسم الأدوار: السعودية تدير الملف السياسي والحدودي والعلاقة مع المجتمع الدولي، بينما تدير الإمارات الجنوب والموانئ والملف الاقتصادي. هذا الخيار قد يكون الأكثر واقعية، لكنه يحمل خطر إضفاء طابع دائم على الانقسام اليمني.
السيناريو الثالث هو التنافس الصامت: إذا تعارضت أولويات الطرفين، قد يعود التوتر إلى الواجهة في عدن أو المكلا، ما يربك أي مسار سياسي. وفي كل الأحوال، تبقى إيران والولايات المتحدة والأمم المتحدة عوامل خارجية مؤثرة، لكنها لا تغني عن فهم الديناميكية الداخلية بين الرياض وأبوظبي.
وماذا يعني ذلك للقارئ اليمني والإقليمي؟
بالنسبة لليمني العادي، أي ترتيب جديد بين السعودية والإمارات لن يبقى في دائرة النخبة، بل سينعكس على الخدمات والأمن وحرية التنقل وفرص العمل. فإذا كان الاتجاه نحو تثبيت تقاسم الأدوار، فقد يستمر الانقسام الإداري والعسكري، ما يعني مزيداً من المعاناة في المناطق الخاضعة لسلطات متعددة. وإذا كان الاتجاه نحو تنسيق أوسع، فقد يُفتح الباب أمام تسوية سياسية، لكنها ستظل رهينة تنازلات مؤلمة.
على المستوى الإقليمي، يرتبط الملف اليمني بأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وبالتالي فإن أي تحول في العلاقة السعودية-الإماراتية يهم العالم كله، وليس اليمن وحده. لهذا فإن سؤال «عودة التحالف أم تقاسم الأدوار؟» ليس سؤالاً نظرياً، بل هو مفتاح لفهم المرحلة المقبلة في اليمن والمنطقة.
أسئلة شائعة
- هل عاد التحالف السعودي الإماراتي فعلاً في اليمن؟ لا يوجد إعلان رسمي بذلك حتى الآن، لكن المؤشرات تتحدث عن تنسيق محتمل قد لا يصل إلى تحالف عسكري كامل.
- ما الفرق بين عودة التحالف وتقاسم الأدوار؟ عودة التحالف تعني جبهة موحدة بأهداف مشتركة، أما تقاسم الأدوار فيعني توزيع مناطق النفوذ والملفات بين الطرفين.
- من يسيطر على الجنوب اليمني؟ المشهد منقسم بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي وقوى محلية أخرى، مع نفوذ إماراتي واضح في عدة مناطق.
- هل يؤثر ذلك على الحوثيين؟ أي تنسيق سعودي-إماراتي قد يزيد الضغط عليهم، لكن الحوثيين يظلون طرفاً قادراً على التأثير في مسار أي تسوية.