لم يعد الصراع الدائر في اليمن مجرد نزاع محلي ذي أبعاد سلطوية ضيقة، بل تحول بمرور السنين إلى بؤرة اشتعال جيوسياسية كبرى تتقاطع فيها المصالح الدولية والإقليمية. وفي قلب هذه المعركة المشتعلة، يبرز مضيق باب المندب باعتباره الجائزة الاستراتيجية الكبرى والدرع الذي تتكسر عليه أو تتقاطع عنده طموحات القوى العظمى والاقليمية على حد سواء. إن هذا الشريان المائي الحيوي الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي عبر خليج عدن، يشهد اليوم تسابقاً محموماً تعيد فيه القوى الدولية رسم خرائط نفوذها، بينما يدفع الشعب اليمني فاتورة باهظة من استقراره ولقمة عيشه وأمنه الإنساني.
الأهمية الجيوسياسية والعصب المالي للملاحة الدولية
لا يقتصر طابع باب المندب على كونها رقعة جغرافية عابرة، بل هي حلقة وصل لا غنى عنها في سلاسل الإمداد العالمية والاقتصاد الدولي. تشير تقارير اقتصادية واستراتيجية إلى أن أكثر من 15 مليون برميل من النفط ومنتجات الطاقة تعبر هذا المضيق بصفة يومية متجهة نحو الأسواق الآسيوية والأوروبية والأمريكية. أي اضطراب أمني في هذا الممر يعني بشكل مباشر شللاً في حركة ناقلات النفط، وارتفاعاً جنونياً في أسعار الطاقة العالمية، وتعطيلاً لخطوط التجارة التي تنقل البضائع والسلع الاستهلاكية بمليارات الدولارات.
هذا الواقع جعل من المضيق نقطة اختناق استراتيجية؛ فالتحكم به أو حتى التهديد بعرقلة الملاحة فيه يمنح أي طرف ورقة ضغط سياسية واقتصادية هائلة على مستوى العالم أجمع. من هنا، تتجه أنظار صناع القرار في واشنطن ولندن وباريس وبكين وموسكو نحو السواحل اليمنية بحذر شديد، عادّين أمن المضيق خطاً أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه أو المساس باستقراره تحت أي ظرف من الظروف.
تداخل الأجندات المحلية بالمطامع الإقليمية والدولية
يتشابك الصراع اليمني الداخلي بين الحكومة المعترف بها دولياً وجماعة الحوثي المدعومة من طهران مع شبكة معقدة من التنافس الإقليمي والدولي. تسعى دول التحالف العربي، وتحديداً المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إلى تأمين حدودها الجنوبية ومنع قيام كيان موالٍ لإيران على ضفاف البحر الأحمر، وهو ما يمثل تهديداً وجودياً للأمن القومي الخليجي والعربي. في المقابل، توظف إيران استراتيجية "الحروب بالوكالة" عبر دعم الحوثيين وتزويدهم بالتقنيات العسكرية المتقدمة كالطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية، بهدف الإمساك بمفاتيح القوة في باب المندب وتحويله إلى ورقة تفاوض في ملفاتها الخلافية مع الغرب.
ولم تقف القوى الغربية مكتوفة الأيدي؛ إذ عززت واشنطن وحلفاؤها من وجودهم البحري في المنطقة تحت ذريعة حماية الملاحة الدولية ومكافحة تهريب الأسلحة، مما أدى إلى عسكرة غير مسبوقة للبحر الأحمر وخليج عدن، وتحويل مياه اليمن الإقليمية إلى مسرح مناورات واستعراض قوة بين الأساطيل العسكرية الكبرى.
السيناريوهات الميدانية وتوزيع النفوذ العسكري
تتجسد الصراعات على الأرض وفي المياه الإقليمية من خلال عدة محاور عسكرية ولجستية رئيسية يمكن تلخيصها فيما يلي:
- الدور السعودي والإماراتي: تركيز مكثف على تأمين السواحل اليمنية عبر دعم القوات المحلية المشتركة، وتطوير البنى التحتية العسكرية، وتعزيز الوجود في الجزر الاستراتيجية مثل ميون وحنتيش لضمان السيطرة الميدانية.
- التدخل الإيراني والدعم الحوثي: استمرار تدفق الأسلحة والخبراء، وتطوير قدرات بحرية هجومية تشمل الزوارق المسفرة والألغام البحرية لتهديد حركة السفن وابتزاز المجتمع الدولي.
- التواجد الغربي والدولي: تشكيل تحالفات بحرية متعددة الجنسيات لضمان أمن خطوط الملاحة وتوفير المظلة العسكرية لحماية التجارة العالمية من أي هجمات محتملة.
التداعيات الإنسانية الكارثية على المدنيين في اليمن
وفي غمرة هذا الصراع الجيوسياسي المحتدم على الجغرافيا والموارد، يبقى المواطن اليمني هو الضحية الأولى والطرف الأضعف في المعادلة. لقد أدى تمركز العمليات القتالية في المحافظات الساحلية المطلة على باب المندب إلى تفاقم كارثي للأزمة الإنسانية. تعطلت حركة الصيد البحري التي تعد مصدر الرزق الوحيد لمئات الآلاف من الأسر، وتضررت الموانئ الرئيسية، وواجهت وكالات الإغاثة الدولية صعوبات بالغة في إيصال المساعدات الطبية والغذاء لل populations المتضررة.
إن استمرار المعارك بالقرب من الممرات الحيوية لا ينذر فقط بمجاعة واسعة النطاق في الداخل اليمني، بل يكرس حالة من عدم اليقين المستدام، مما يعيق أي جهود دبلوماسية جادة لإرساء السلام الشامل وإنهاء الحرب.
خاتمة ورؤية استشرافية للمستقبل
إن معركة باب المندب لم تعد مجرد تفصيل عسكري في الحرب اليمنية، بل أصبحت مرآة تعكس صراع النفوذ العالمي على ممرات التجارة والتقاطعات الجيوسياسية. وإن أي تسوية مستقبلية في اليمن لا تضمن تحييد هذا الممر الحيوي وإدارته وفق قواعد الأمن الدولي واستعادة الدولة اليمنية لسيادتها الكاملة على أراضيها ومياهها، ستظل منقوصة وهشة. إن العالم مطالب اليوم بالانتقال من إدارة الأزمة وعسكرتها إلى معالجة جذورها السياسية والاقتصادية، لأن تأمين باب المندب الحقيقي يبدأ أولاً وقبل كل شيء بإنهاء معاناة اليمنيين وإعادة الاستقرار إلى ربوع هذا البلد المنكوب.